أخبار عربيةالأخبارمواضيع ثقافية وسياسية

التبوريدة.. فن الفروسية المغربي ينتعش من جديد

وجدت الفارسة المغربية بشرى نباتاً تشجيعاً من أبيها وأخيها على ممارسة “التبوريدة” أو الفروسية التقليدية المغربية، ولم تردعها نظرات الاستهجان وتعليقات بعض الرجال الذين يتحفظون على ركوب النساء الخيل بل ولا كسر يدها، وكوّنت فرقتها الخاصة.

 

أوضحت المقدمة بشرى، والمقدمة في لغة التبوريدة المغربية هي رئيسة الفرقة، أو “السربة” بلغة هذا الفن أيضاً، أنها بدأت ركوب الخيل في 2001 تأثراً بأخيها وأبيها اللذين يمارسان هذه الهواية.

 

قالت بشرى: الرجال أغلبهم يتضايقون ولا يحبون أن ينافسهم النساء في هذه الهواية لكن الحمد لله المرأة استطاعت أن تفرض نفسها، وفق حديثها لوكالة رويترز.

 

وعلى الرغم من مخاطر ركوب الخيل، إذ سبق أن كُسرت يدها بسبب طلقة بارود خاطئة، فقد عادت إلى “المحرك” وهو ميدان إقامة طقوس التبوريدة التي حظيت الشهر الماضي بالاعتراف الدولي بها باعتبارها أحد فنون التراث العالمي غير المادي.

 

وكلمة “التبوريدة” مشتقة من كلمة بارود، وهي في ظاهرها تحكي قصة أمجاد مغربية صنعها الأجداد في ساحات الوغى.

 

فكل طقس من طقوس حركات فرسانها وخيولها يروي قصة نصر، من حوافر الخيل التي تثير الغبار في عنفوان وتحدٍّ، إلى صرخات الفرسان وسرعتهم القصوى ليتوجوها بإطلاق “البارود” من “المكاحل”، أي البنادق التقليدية، في النهاية دفعة واحدة.

 

تتعالى زغاريد النساء وتصفيق الجمهور وحماستهم، في جو يوحي باحتفالات النصر في معارك تاريخية قديمة قدم زخارف السروج ولباس الفرسان و”المكاحل” أو البنادق التقليدية المزركشة والمنقوشة بالفضة أو النحاس وكذلك الخناجر التي يتحزم بها الفرسان وأحذيتهم التقليدية التي يطلق عليها (تماغ).

 

ولطالما استرعت “التبوريدة” اهتمام الفنانين المحليين والأجانب، وتبقى لوحة للفنان التشكيلي الفرنسي أوجين دي لاكروا في القرن التاسع عشر خير مثال على ذلك.

 

وقد صنفت منظمة الأمم المتحدة للتريبة والعلم والثقافة (اليونسكو) التبوريدة تراثاً عالمياً غير مادي، وذلك في مؤتمرها الذي انعقد من 13 إلى 18 ديسمبر/كانون الأول الماضي بباريس.

 

بدوره يقول الباحث المغربي في علم التراث أبو القاسم الشبري عن هذا الفن: الثقافة اللا مادية، بصفة خاصة تدخل في المعيش اليومي وتمشي في سيرورة يصعب القبض عليها أو تصنيفها أو تأريخها، (أو) أن نقول إنها نشأت في اليوم الفلاني أو المكان الفلاني.

 

فالتبوريدة بالنسبة إلى الشبري هي تحول للبشرية جمعاء عندما مرت الحروب الإنسانية من مرحلة الحرب مشياً على الأقدام أو الترجل، إلى استعمال الفرس في الحرب بعد ترويضه.

 

ويقول الشبري: حين تنتهي الحرب يحتفل الناس، علماً أنه في عدد من الحروب كان يوجد من يرافق المتحاربين لشحذ الهمم ودعمهم شعراً ونثراً بالمزامير والطبول سواء كانوا نساء أو رجالاً، فطبيعي بعد أن تنتهي الحرب ويتحقق الانتصار أنهم سيحتفلون.

 

وأضاف: وأول المحتفلين هم من كانوا في ساحة المعركة ممتطين خيولهم، إذ سيستعملون الذخيرة من جديد ويرقصون ويزغردون من هنا جاءت احتفالات التبوريدة.

 

وقد جاء زمن كان الفرس فيه سيد الدار، وكان المنزل الذي لا يملك فرساً واحداً على الأقل منزلاً موحشاً لا قيمة له، واستمد الناس ذلك من مكانة الخيل في الإسلام وحديث رسوله: الخيل معقود في نواصيها الخير.

 

وعلى الرغم من ارتباط التبوريدة في المجتمع المغربي عبر العصور بالرجال، فقد استهوى هذا الفن النساء مع مطلع الألفية الثالثة.

 

وتهتم “المقدمة” بشرى بتربية الخيول في منزلها الريفي في إحدى ضواحي الرباط.

 

وقد كافحت بشرى ودافعت باستماته لتأسيس “سربتها” وجمع فتيات يستهويهن ركوب الخيل كان لأغلبهن فرد أو أكثر من أفراد العائلة يمارس هذه الهواية.

 

وتشتكي بشرى من غياب الدعم المادي، إذ إن “البارود مكلِّف ولباس الفارسات والسروج وغيرها”، وتقول إنها تنفق من مالها الخاص من أجل الاستمرار.

 

كما زادت معاناتها مع جائحة كوفيد-19، إذ نفق لها جوادان بسبب الحجر لبقائهما في الإسطبل من دون حركة.

 

وتجد بشرى صعوبات وعراقيل في الاحتفاظ بفرقتها وتشجيع باقي الفتيات على التبوريدة، فبالإضافة إلى ضعف الدعم المادي، تعاني الفارسات أفكاراً نمطية كما كشفت تصريحاتهن.

 

سناء أكليل (15 عاماً) أصغر فارسة في “سربة” بشرى تقول “عدد من الناس قالوا لي: ‘أنت بنت لا يجب أن تنساقي وراء هذه الهواية’. بل ذهب بعضهم إلى تحريم ركوب الخيل للنساء”، وفق حديثها لوكالة رويترز.

 

وتقول سناء إن أباها وأخاها عاشقان لفن التبوريدة، كانا يأخذانني معهما إلى مهرجانات التبوريدة، وفي سن العاشرة اشترى لي أبي هاتفاً واتصلت بالمقدمة بشرى وقررت الالتحاق بسربتها.

 

وعن طقوس التبوريدة تقول بشرى باوطيني، وهي فارسة أخرى في “سربة” بشرى نباتا: قبل بدء العرض نتوضأ ونصلي ركعتين ونقرأ الفاتحة ويسلم بعضنا على بعض، وهذا من طقوس التبوريدة، كما يذكر عند الرجال بالماضي البعيد قبل أن يخوض الفرسان الحروب.

 

وتضيف أنه رغم الوضوء والصلاة فإنه يوجد من يعتبر النساء لا يصلحن للفروسية، إذ يقولون لنا العود (الفرس) شريف لا يجب أن تركبه النساء.

 

وتقاطعها زميلتها أميمة والعيز (23 عاماً)، وهي طالبة حقوق التحقت بسربة المقدمة بشرى حديثاً (العام الماضي): فقد استمددت محبتي للفروسية من جدي، كان مقدماً ومحباً لركوب الخيل وبخاصة هذا النوع التقليدي من الفروسية.

 

لكنها البنت الوحيدة في العائلة التي تمارس هذه الهواية، وتقول إنها عندما كانت تمتطي صهوة جواد كانت جدتها تقول لها: عيب، البنات لا يركبن الخيل.

 

ولا يرى الباحث المغربي الشبري غضاضة في ركوب النساء الجياد وممارسة التبوريدة.

 

ويرى أن أسباب معارضة الأهل لركوب المرأة الخيل ترجع ربما إلى خوفهم عليها، كيف لا وهي من الجنس اللطيف، إذ إن حوادث الفروسية صعبة وأحياناً تكون مميتة.

 

كما أن فرس التبوريدة ليس أي فرس، تكون له علاقة جد خاصة مع فارسه، علاقة أقرب إلى قدسية أو الملائكية.

 

فالمغاربة يطلقون على “العود” أي الفرس “الدم الكبير” بمعنى (النخوة)، كما يسمونه “الشريف”.

 

ويقول الشبري: العود له تربية وعناية خاصة ولا يستعمل إطلاقاً ولو لمرة واحدة في أعمال السخرة، وإلا يفسد ولا يبقى صالحاً للفروسية أبداً.

 

وقد ساهمت الدولة في تشجيع هذا الفن من خلال إقامة مسابقات رسمية خاصة بالتبوريدة تحت رعاية العاهل المغربي محمد السادس وتخصيص جوائز لها، مما شجع “السربات” وساهم في زيادتها، كما تتلقى المواسم، وهي المهرجانات التقليدية، دعماً لتنظيمها.

 

غير أن المقدمة بشرى تشعر ببعض الظلم تجاه النساء بصفة عامة في المشاركة بمثل هذه المسابقات.

 

ونفى بدر فاقر رئيس الجامعة (الاتحاد) الملكية المغربية للفروسية إقصاء أحد، وقال إن باب الجامعة مفتوح للجميع.

 

كما قال إنه لا تمييز في المشاركة بالمنافسات التي تنظمها الجامعة بسبب الجنس، فالنساء اقتحمن مجالات كبرى وتفوقن على الرجال أيضاً.

 

ولا يوجد إحصاء دقيق لعدد “السربات” في المغرب، لوجود بعض المناطق والقرى التي لا تسجل فرسانها، ونشرت “الشركة الملكية لتشجيع الفرس” على صفحتها أنها منذ 2014 ضمت 309 “سربات”، كما أقامت 21 مسابقة.

 

لكن مهتمين بالمجال يقولون إن المئات من “السربات” في مختلف أنحاء البلاد.

 

ويقول الشبري: توجد قبائل متشبثة بفن التبوريدة عبر العصور، وأخرى تراخت لكننا نلاحظ في العقد الأخير انتعاشاً لهذا الفن وتزايد الإقبال عليه.

 

ويشرح الشبري طقوس التبوريدة وأبعادها الحربية والاحتفالية الجمالية “فالمقدم أو “العلام” أي رئيس “السربة” التي تضم من 11 إلى 15 فارساً، يمر بجانب الفرسان كأنه يتفقدهم تماماً كما يفعل قادة الجيوش.

 

ويجب أن يكونوا مدربين لإطلاق البارود مرة واحدة فتنطلق 15 طلقة وكأنها طلقة مكحلة واحدة، “دون أي تفاوت في الطلقات ولو لثانية، وهذا أهم شيء ليرضى المقدم والجمهور” على حد قول الشبري.

 

ويرى الشبري أنه كان من الطبيعي أن يتراجع هذا الفن مع مشاكل المناخ كالجفاف، وغزو المدنية لمختلف المناطق بما فيها البوادي وتخلي بعض المناطق عن التقاليد إلا أن “المبادرات الأخيرة كتشجيع الدولة لهذا الفن وإقامات مسابقات وجوائز له وتصنيفه تراثاً عالمياً لا مادياً من طرف اليونسكو ستساهم في الحفاظ عليه من الانقراض”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى