أخبار عربيةالأخبارالعراقملفات ساخنة

كيف نُهبت أموال العراق بعد 2003

نشر موقع “ميديابارت” الفرنسي تقريرا، سلط فيه الضوء على حجم الأموال المهدورة في العراق، إبان الغزو الأمريكي في 2003.

 

وقالت الموقع في تقريره، إنه بعد سقوط نظام صدام حسين، ضخ الأمريكيون مليارات الدولارات في البلاد، لكن جل تلك الأموال لم يتم استثمارها في إعادة الإعمار، بل تم نهبها بأشكال غير مشروعة.

 

في أحد شوارع بغداد، كانت تمرّ شاحنة قمامة، تحمل سرّا مبالغ مالية كبيرة، وكان على السائق إيداعها في المصرف المركزي. في أقصى درجات السرية، نقل السائق بين عامي 2003 و2008، مبالغ وصلت إلى 40 مليار دولار بين مطار بغداد والبنك المركزي العراقي، أي ما يعادل الناتج المحلي الإجمالي لبلد مثل مالي. وقد أكد هذه الرواية ديفيد نومي، مسؤول الخزانة الأمريكي في بغداد، حيث يقول: “لقد كان هذا السائق الرجل المناسب لنا في هذه المهام الصعبة. كان يعرف مهمته. كان لديّ ثقة كاملة به”.

 

هذا الشخص الذي كان ينقل هذه الأموال يدعى “جيسون ستاثام العراقي” (نسبة إلى ممثل الأكشن الأمريكي) أو “الناقل”. لكنه يفضل اللقب الذي أطلقه عليه رؤساؤه “رجل المال”. يفتخر الرجل بالمهمة التي أوكلت إليه، لأنه ليس من السهل أن تكون مسؤولا عن أكبر تحويل للأموال في التاريخ. وعلى عكس فرانك مارتن في فيلم ” ترانسبورتر”، كان الرجل يعرف جيدا ما هو موجود في الشاحنة التي يقودها.

 

يقول الناقل: “كانت القاعدة بسيطة، كان عليّ أن أضمن نقل هذه الأموال من النقطة أ، مطار بغداد، إلى النقطة ب، البنك المركزي، لكن وجهة المال فيما بعد أمر لا يخصني. تحتوي هذه المنصات جميعها على 16 ألف حزمة من الأوراق النقدية. بناء على الألوان، كنت أعرف مقدار كل لوحة. الأوراق الذهبية من فئة المئة ورقة، والأخرى ذات اللون البني من فئة الخمسين، بل كانت هناك منصات نقالة من فئة الدولار الواحد أيضا، يمكن لبعضها أن تحتوي على مليون والأخرى مليار”.

 

بلغ الرجل الآن الخمسينات من عمره، وقد كان هذا الأمريكي الذي يتحدث العربية متحفظا للغاية؛ لأنه كان آخر رجل يرى مليارات الدولارات قبل أن تختفي في خزائن البنك المركزي العراقي. في الأخير، وافق على التحدث معنا “لاستحضار بعض الحقائق”. عندما التقينا به في إحدى دول الخليج، كان أول ما طلبه منا هو عدم الإفصاح عن هويته، لأن لديه عائلة.

 

لكن لسائل أن يسأل، كيف يمكن لرجل واحد أن يحمل كل هذا المال؟ والأهم من ذلك، من أين تأتي هذه المليارات من الدولارات؟ لفهم ما حدث، علينا العودة إلى اليوم الذي سقط فيه نظام صدام حسين.

 

أكبر عملية نقل أموال

 

في التاسع من نيسان/ أبريل 2003، استيقظت بغداد على صوت الجنود الأمريكيين. بعد ثلاثة أسابيع من القصف، انبعثت رائحة الحرائق في العاصمة العراقية، واندلعت الفوضى في الشوارع، وهاجم سكان بغداد كل ما يرمز لنظام صدام حسين.

 

في ذلك اليوم، تعرض المتحف الوطني، رمز الحضارة العراقية، للنهب، وتمت سرقة المباني الوزارية، وقطع الطرق العامة. تمت الإطاحة بنظام صدام حسين، واختفت قوات الجيش والشرطة. في المقابل، كانت الدبابات الأمريكية تحمي وزارة النفط والبنك المركزي العراقي.

 

في نفس الوقت تقريبا، في الولايات المتحدة، كانت هناك شاحنات دون أرقام عليها عشرات المنصات الناقلة التي تحمل أموالا من فئة 100 دولار. تتجه الشاحنات إلى قاعدة للقوات الجوية الأمريكية بالقرب من واشنطن، وتفرغ الأموال على طائرات شحن من طراز سي-17 متجهة إلى العراق. كان تلك بداية أكبر عملية نقل جوي للأموال نقدا في التاريخ، والتي سيتولى “رجل المال” لاحقا نقلها إلى البنك المركزي العراقي.

 

في 19 أيار/ مايو، خاطب الحاكم الأمريكي في بول بريمر، وزير الدفاع دونالد، في مذكرة رفعت عنها السرية مؤخرا، معلنا عزمه حل الوزارات والأجهزة الأمنية التابعة لنظام صدام حسين وحزبه البعث، بدءا بوزارة الدفاع التي تمثل وحدها 400 ألف شخص.

 

خلال الأشهر الأربعة الأولى من توليه المنصب، كرس بول بريمر جهوده بشكل شبه كامل لتحرير الاقتصاد العراقي الذي حكمه نظام صدام حسين بقبضة من حديد خلال 24 سنة.

 

كان بريمر يعتقد أن العراق يحتاج إلى السيولة بشكل عاجل، وبالتي بدأت عملية الإفراج عن الأصول العراقية المجمدة لدى مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي. سمح له ذلك بتجنب المساءلة والمراقبة من الكونغرس على هذه الأموال غير الأمريكية. كان جزء كبير من هذه الأموال المجمدة قد جاء من برنامج النفط مقابل الغذاء، الذي هو في الواقع ملك للشعب العراقي، ومع ذلك فإن بريمر تمتع بسلطة كاملة للتحكم فيه.

 

وحسب التقديرات، تم تحويل ما بين 12 و16 مليار دولار نقدا، و5 مليارات دولار عبر تحويلات إلكترونية، في عام واحد فقط.

 

وإلى حد اليوم، يرفض مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي تحديد المبلغ الذي تم تحويله إلى العراق في عام 2003، لأنه يجب الحصول على توقيع الحكومة العراقية، ولأن مثل هذا الأمر قد يكشف عن المستفيدين من تلك المبالغ بطرق غير مشروعة.

 

عندما كانت الأموال تصل إلى بغداد، كان “رجل المال” يستلمها وينقلها. على مدرج مطار بغداد، كان يجب عليه تفريغ المنصات النقالة من طائرات سي-17. يقول “رجل المال”: “هذه المنصات لم تلمس الأرض، لقد وضعتها على متن الشاحنات وانطلقت”.

 

كان الجزء التالي من المهمة هو الأخطر، كانت المنطقة الممتدة على مسافة 6 كيلومترات من المطار إلى بغداد تتعرض بانتظام لنيران الصواريخ والسيارات المفخخة. كان يتعين عليه التوجه إلى وسط بغداد بالقرب من المنطقة الخضراء، وإيداع الأموال في خزائن البنك المركزي العراقي، ويتم ذلك دائما بحضور اثنين من المسؤولين العراقيين. يوضح رجل المال: “لطالما طلبت حضور شاهدين اثنين لإثبات أنني كنت أقوم بتسليم جميع الحسابات، كنت أطلب منهم التوقيع على ورقة كدليل على التسليم”.

 

يقول الرجل إنه عمل في العراق مقابل مبالغ بسيطة، وقد سعى لاحقا للعمل مع السودانيين والليبيين، وقد تفاوض على عقد لنقل مليارات الدولارات نقدا إلى ليبيا ما بعد القذافي.

 

من الجيش إلى مشاريع إعادة الإعمار

 

في صيف عام 2004، كانت البلاد شبه مدمّرة، وتحتاج إلى إعادة الإعمار. طُرحت العديد من المناقصات، ودعت الإدارة الأمريكية الشركات إلى الاستثمار في العراق.

 

في حزيران/ يونيو 2004، قبل أسبوعين من انتهاء مهامها رسميا، أمرت سلطة الائتلاف المؤقتة بإجراء آخر عمليات نقل الأموال في سلسلة من الرحلات الجوية السريعة، ومنحت أكثر من ألف عقد لإعادة تهيئة شبكات الكهرباء، وبناء المدارس، وترميم الطرق.

 

بالنسبة لعملية تحويل الأموال التي تمت في اللحظات الأخيرة، وصل المبلغ إلى 5 مليارات دولار. لم تكن هناك أي رقابة على توزيع تلك الأموال في شكل مبالغ صغيرة في جميع أنحاء البلاد. ومع تصاعد عمليات المقاومة، سمحت تلك الأموال للجنود الأمريكيين بشراء ولاء بعض العراقيين، وبدأت منظومة الفساد تتشكل بشكل منهجي.

 

عندما وصل إلى قاعدة عين الأسد في محافظة الأنبار غربي بغداد، كان الجندي الشاب ماتيو متحمسا للانتقام لضحايا 11 سبتمبر 2001، والعودة إلى بلده كبطل مظفر.

 

أصيب بخيبة أمل بعد بضعة أيام من وصوله، ففي القاعدة لم يكن هناك أي أعمال قتالية. لقد قدم تضحيات هائلة ليصل إلى العراق، لكنه وجد نفسه في قاعدة عين الأسد يملأ أكياس الرمل طوال اليوم.

 

في أحد الأيام، شاهد ماتيو في القاعدة رجالا بلباس مدني، وقد علم لاحقا أنهم موظفون في شركة “كيلوغ براون آند روت”، وهي إحدى الشركات الأمريكية المتخصصة في إعادة الإعمار. بعد بضعة أسابيع، طُلب من ماثيو مرافقتهم.

 

في خريف عام 2002، تم منح أول عقد سري لهذه الشركة دون مناقصة، وقد كانت مهمتها في البداية الحفاظ على المنشآت النفطية وصيانتها، والإشراف على الإمدادات اللوجستية للجيش الأمريكي.

 

مع مرور الأيام، وجد ماتيو فرصة لترك الجيش والعودة إلى الحياة المدنية، وأصبح مسؤولا عن إدارة أموال إعادة الإعمار. قدّم طلبا إلى السفارة الأمريكية في بغداد في خطة مدير أحد مشاريع إعادة الإعمار، وحصل على وظيفة مرموقة دون التحقق من مؤهلاته.

 

وجد نفسه بين عشية وضحاها مديرا إقليميا مسؤولا عن مشاريع إعادة الإعمار، وتم إرساله إلى تكريت بمحافظة صلاح الدين شمال بغداد. حصل على ميزانية قدرها 50 مليون دولار نقدا، مع إمكانية الوصول إلى الصناديق المختلفة الموجودة في قصور صدام حسين السابقة.

 

كان يدير 136 مشروعا، من بناء الجسور إلى إصلاح سد الموصل، ويدفع للعمال العراقيين أجورهم الشهرية نقدا.

 

يقول ماتيو: “ما يهم هو إنفاق هذه الأموال التي كانت تملأ الخزائن. كان ذلك يشجع الضباط الأمريكيين على منح العراقيين أموالا مقابل أي شيء، غالبا من أجل الحصول على معلومات، دون التحقق من صحتها. أنا متأكد من أن بعض هذه الأموال سُلمت إلى المتمردين العراقيين”.

 

إغراءات وأموال منهوبة

 

بعد بضعة أسابيع، اكتشف ماتيو أن الشخص الذي حل محله متهم بالسرقة، فقد تم العثور على 600 ألف دولار تحت سريره.

 

استفحل الفساد أثناء عمليات إعادة الإعمار، إذ كانت الفواتير باهظة والعقود خيالية. ذات يوم، اطلع ماتيو على فاتورة بمبلغ 63 مليون دولار لنفقات أحد المعسكرات وشراء بعض معدات. وفي كل مرة، يكون تبرير هذه الفواتير الخيالية “تكاليف الأمن”.

 

تعرف ماتيو لاحقا على متعاقدين مدججين بالأسلحة، ومجهزين بشكل أفضل من الجيش الأمريكي، يُطلق عليهم اسم المرتزقة. تتمثل مهمتهم في ضمان سلامة الدبلوماسيين الأمريكيين، ولا يخضعون في معظم الأحيان لأي سلطة.

 

حين تم اختيار المحامي ستيوارت بوين ليكون المفتش العام لإعادة الإعمار في العراق، كان من أبرز الشخصيات المنتقدة لتعامل الإدارة الأمريكية مع هذا الملف.

 

يقول بوين في هذا السياق: “كان برنامج إعادة إعمار العراق ضخما جدا، وفي الوقت نفسه، لم نكن على أتم الاستعداد لفترة ما بعد الحرب. أُعدت الخطة قبل 40 يوما من الغزو، لكن المدة الزمنية كانت أقصر من أن نتمكن من إعادة إعمار بلد بأكمله. في الحقيقة، لم تكن هناك حاجة لوضع خطة، لأنه كان يتعين علينا التحرير والمغادرة، وليس الاستعمار وإعادة الإعمار. حالة الفوضى، بالإضافة إلى إهدار مليارات الدولارات، أدت إلى استفحال الفساد”.

 

لم تكن عملية مراجعة الحسابات في ظل الحرب القائمة وانتشار الأموال في كل مكان أمرا سهلا. أعدّ بوين تقريرا في هذا الصدد بعنوان “أبرز دروس العراق”، عدّد فيه أوجه الفشل في إدارة مليارات الدولارات.

 

أنفقت واشنطن أكثر من 15 مليار دولار لصيانة شبكة الكهرباء، وإمدادات المياه، وبناء المدارس، وإصلاح البنية التحتية، ثم 9 مليارات للصحة والأمن والمساعدات الإنسانية، و20 مليار دولار في تدريب قوات الأمن العراقية وتأمين العتاد، و8 مليارات لتعزيز سيادة القانون ومكافحة الاتجار بالمخدرات، فضلا عن 5 مليارات لإنعاش الاقتصاد.

 

في كل مرة، يُعتمد الأسلوب ذاته، وهو حصول الشركات الأمريكية على عقد إعادة الإعمار، ثم اختلاس جزء كبير من المبلغ دون تنفيذ المهمة. لا وجود لأي سلطة رقابية، وقد شدّد التقرير على غياب أي مساءلة للشركات التي عملت بالعراق.

 

كما عاد التقرير أيضا على تفاصيل قضية سوء استخدام السلطة، التي تورط فيها الرائد في الجيش الأمريكي رودريك سانشيز، الذي خدم من 2004 إلى 2007 كمتعاقد لصالح الجيش في أفغانستان والعراق والكويت.

 

استخدم سانشيز سلطته للحصول على مبالغ نقدية وساعات رولكس وهدايا أخرى باهظة الثمن، مقابل إدارة عقود البنتاغون مع الشركات الأجنبية، وجني فوائد تزيد قيمتها على 200 ألف دولار. بعد العودة إلى الولايات المتحدة، وعلى إثر تحقيق بوين، حُكم عليه بالسجن 5 سنوات، وغرامة قدرها 15000 دولار.

 

 

المصدر: عربي 21

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى