ملفات ساخنة

سفير تركيا في قطر حافظ للقرآن وخبير اقتصادي وتحدث عن السعودية ومصر وإسرائيل

يبدو الجلوس والحوار مع السفير التركي محمد مصطفى كوكصو، المعين حديثا لدى قطر مختلفا عن عادة اللقاءات مع الدبلوماسيين والسياسيين، فإضافة لحرصه على إجابات دبلوماسية سياسية على الأسئلة، يتمتع كوكصو بجانب شخصي لافت كسفير.

 

فالسفير كوكصو حافظ للقرآن الكريم، وتنقل في دراسته وعمله بين الولايات المتحدة وكندا وألمانيا والسعودية، أجاب على أسئلة كثيرة للجزيرة نت، تتعلق بالعلاقات المتطورة مع قطر، مرورا بالعلاقات مع السعودية ومصر، وصولا لإجابات عن أسئلة تتعلق باتهامات لتركيا وأدوارها في المنطقة العربية.

 

تاليا الحوار كاملا مع السفير كوكصو:

 

المحور الشخصي

 

*من الدراسة الأكاديمية في الإلهيات للتخصص في الاقتصاد والاستثمار وصولا للعمل الدبلوماسي ما العلاقة بين كل ذلك؟

 

الانشغال بالدراسات الإسلامية والإلهيات كان مبنيا على شغف شخصي ورغبة في بناء الذات، أما التخصص في الاقتصاد والاستثمار، فكان منطلقا من اهتمامي المبكر بالعمل في التجارة، وهو الذي قادني فيما بعد إلى الانخراط في العمل الدبلوماسي شيئا فشيئا.

 

البداية كانت بأن منَّ الله علي بحفظ القرآن الكريم وأنا في سن 11، وكان لدي فرصة للدارسة في كلية الهندسة وإدارة الاعمال؛ لكني رجحت الدراسات الإسلامية كوني أردت إكمال العلم مع حفظ القرآن.

 

والظروف الحياتية وجهتني للعمل في مجال التجارة حيث بدأت منذ وقت مبكر بالعمل لأنفق على نفسي.

 

تخرجت في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة عام 1994، وحصلت على الماجستير والدكتوراه من جامعة صقاريا في تركيا، ومن أجل إكمال شغفي الأكاديمي، سافرت إلى أميركا وكندا لإجراء عدد من الدراسات الإسلامية والتجارية.

 

وتوجهت للعمل في مجال التجارة في أوروبا وخصوصا ألمانيا، وبعدها إلى السعودية، وفي آخر 9 سنوات كنت ممثلا لمكتب الاستثمار التابع لرئاسة الجمهورية التركية في دول الخليج، وكان مقره بالسفارة التركية بالسعودية.

 

*هذه هي محطتكم الأولى في العمل سفيرا.. كيف تنظر لتعيينك سفيرا في قطر في هذا التوقيت؟ ولماذا تم اختيارك تحديدا لهذا الموقع حسب ظنك؟

 

كما أسلفت بالتفصيل، أنا عشت في هذه المنطقة لوقت طويل ودرست فيها، وعملت بالتجارة، وكنت مسؤولا عن الاستثمار فيها، فقد تكون كل هذه الأسباب أساسا في اختياري من فخامة الرئيس رجب طيب أردوغان لهذا المنصب.

 

تركيا وقطر

 

*هناك علاقات يمكن وصفها بالخاصة أو بالتحالف بين البلدين.. هل تعتقد أن هذا التحالف مؤقت؟ وإن كان صالحا للاستمرار، فما دعائم ذلك؟

 

تركيا وقطر شريكان إستراتيجيان يتعاونان في العديد من القضايا على المستويات الثنائية والإقليمية والدولية، وقد شهدت علاقاتنا الثنائية تقدما ملحوظا في السنوات الأخيرة في جميع المجالات تقريبا.

 

وبالطبع لا يمكن وصف العلاقات التركية القطرية بالمؤقتة، فهي ليست وليدة اليوم؛ بل ترجع إلى نهاية القرن 19، وظلت تتطور حتى بعد تأسيس الجمهورية لتشهد تطورا ملحوظا في تسعينيات القرن الماضي.

 

ثم شهدت قفزة نوعية مع تركيا حاليا؛ بسبب العلاقات الأخوية التاريخية والمصالح المشتركة بين الشعبين الشقيقين.

 

التوافق القطري التركي في السياسات والمبادئ هو من أهم دعائم استمرار ونمو العلاقات، فالبلدان فيما يخص السياسات الخارجية، على سبيل المثال، يتشاركان المبادئ نفسها من حيث جهود الوساطة والدبلوماسية الإنسانية.

 

وتركيا وقطر تصطفان مع الحق والعدل، الذي يحقق مصالح الشعوب، وهو العامل المشترك في الآراء والمواقف القطرية التركية؛ لأننا لا نستهدف سوى دعم الشعوب من منطلق إنساني ينتصر للحق والعدالة.

 

ونرى أن النهج التركي القطري في العلاقات هو مصدر إلهام وأمل، ونعتبره نموذجا يحتذى في الشراكات.

 

العلاقات التركية القطرية اختبرت أكثر من مرة وفي مواقف صعبة، وأثبتت مصادقيتها ومتانتها وصلابتها، فعندما تعرضت تركيا لمحاولة انقلابية فاشلة في 2016 كان الموقف القطري منذ اللحظة الأولى داعما للحكومة التركية.

 

وعندما تعرضت قطر لحصار في 2017 كان الموقف التركي صادقا ورافضا لهذا الحصار غير العادل، وبالتالي هذا يؤكد أن العلاقات التركية القطرية هي تحالف حقيقي وصلب، لا يمكن أن تزعزعه أي أحداث أو أزمات بالمنطقة.

 

*وكيف انعكس ذلك على العلاقات الاقتصادية بين البلدين؟

 

في عام 2014، أسست “اللجنة الإستراتيجية العليا المشتركة بين قطر وتركيا”، وانعكس التقارب السياسي والأمني بين البلدين على اقتصاديْهما، وعزز ذلك اجتماعات القمة بين الرئيس التركي وأمير قطر، والتي تجاوزت 28 قمة منذ عام 2014.

 

وبلغ عدد الاجتماعات التي عقدتها اللجنة العليا الإستراتيجية القطرية التركية 5 اجتماعات، حيث أبرمت أكثر من 50 اتفاقية كما أنها تعقد أحدث اجتماعاتها في 26 نوفمبر/تشرين الثاني الجاري في أنقرة، حيث سيتم توقيع اتفاقيات جديدة.

 

وزاد التعاون الاقتصادي والتجاري بين البلدين، حيث ارتفع حجم التبادل التجاري الثنائي من 340 مليون دولار أميركي في 2010 إلى أكثر من 2 مليار دولار أميركي في 2019، ولم يكن لوباء فيروس كورونا سوى أثر محدود على التجارة الثنائية بين البلدين.

 

*برأيك لماذا ينظر البعض بعين الريبة لعلاقات البلدين والانتقادات الدائمة لها من جانب أطراف إقليمية؟

 

العلاقات التركية القطرية ليست موجهة ضد أحد، وهي لا تستهدف سوى مصلحة البلدين. تركيا لا تتدخل في شؤون البلدان الأخرى، وبالتالي لا تقبل أن يتدخل أحد في شؤونها، لا سيما ما يتعلق بعلاقاتها الخارجية وتحالفاتها.

 

*خبراتكم السابقة في مجال جلب الاستثمارات الأجنبية إلى تركيا، هل هي أحد نواحي اهتمامك سفيرا في قطر؟ وما دور السفارة في هذا المجال؟

 

نعم، بالطبع من أولويات وظيفتي سفيرا في قطر جلب المستثمرين القطريين إلى بيئة استثمار آمنة وجاذبة في تركيا، وكذلك جلب المستثمر التركي إلى قطر ليعمل بأمان ويجد تسهيلات، وأنا أؤمن بأن تطور العلاقات التجارية أحد العوامل الأساسية في تعزيز العلاقات السياسية.

 

ونحن في السفارة سنبذل قصارى جهدنا لتسهيل وتذليل العقبات أمام المستثمرين القطريين، الذين يرغبون بالاستثمار بتركيا، وذلك عن طريق الملحقية التجارية بسفارتنا ومكتب الاستثمار ومكتب التمويل التابعين لرئاسة الجمهورية والملحق الاقتصادي أيضا.

 

وبمقابل ذلك نحن نستهدف جلب المستثمرين الأتراك والشركات التركية إلى الدوحة، فعلاقتنا مع قطر مبنية على تحقيق المصالح المتبادلة.

 

*هل تعتقد أن الاقتصاد التركي ما زال مغريا للمستثمر القطري؟ وبالمثل، هل المناخ الاقتصادي في قطر مشجع للمستثمر التركي؟

 

تركيا بالفعل بلد مغر للمستثمرين القطريين، وهي بمثابة ملاذ آمن لاستثماراتهم والأرقام خير دليل، حيث تعمل أكثر من 179 شركة قطرية في تركيا، ووصل حجم الاستثمار القطري في تركيا ما يزيد عن 22 مليار دولار.

 

في المقابل تساهم شركات الإنشاء التركية في مشاريع البنية التحتية في قطر، والتي بلغت قيمتها منذ 2002 أكثر من 18 مليار دولار أميركي، وينشط في قطر ما يزيد عن 500 شركة تركية. كما تعدّ قطر سابع أكبر سوق عقود في 2019.

 

*ما هي أبرز أولوياتك والملفات التي تعمل عليها سفيرا في قطر، ولا سيما في هذه الفترة الحساسة والمميزة من علاقات البلدين؟

 

العلاقة التي تربط بلدينا إستراتيجية وخاصة للغاية، ومن أهم أولوياتي العمل على تطوير إستراتيجيات لإثراء وتعزيز هذه الشراكة الرائعة في ضوء التطور الملحوظ، الذي شهدته العلاقات الثنائية القطرية التركية خلال الأعوام الأخيرة.

 

أما عن أهم أولوياتي خلال فترة خدمتي سفيرا لبلادي في قطر، فهي أن أعمل على ترسيخ هذه العلاقات القوية على المستويين الرسمي والشعبي، والإخوة القطريون يعلمون مكانتهم في قلب الشعب التركي، والمحبة والود متواصلان، ومن واجبي أن أنقل هذه العلاقات إلى مستوى غير مسبوق.

 

لذلك أريد ان أعطي قيمة مضافة لأوجه التعاون الثقافي وفي مجال التعليم والتبادل الطلابي، أتمنى أن نرى الطلاب القطريين في الجامعات التركية، وكذلك من المهم لطلابنا الأتراك أن ينخرطوا في بيئة ثقافية عربية مميزة ومتنوعة مثل قطر لتعزيز فهمهم للمنطقة.

 

الحنين للإرث العثماني

 

*تركيا متهمة حاليا بمحاولة استعادة أمجاد الدولة العثمانية.. وأنها تقدم نفسها وصيا على الجغرافيا العرقية التركية من تركستان لأذربيجان وآسيا الوسطى بالعموم. فهل تسعون لذلك حقا؟

 

تركيا اليوم نظامها السياسي جمهوري ديمقراطي مستقر لما يقرب من 100 عام، وفي صلب نظامنا السياسي احترام استقلال الدول، وليس لدى تركيا أية أطماع سياسية في أراضي الغير؛ بل هي تعزز استقلال الإرادة السياسية لكل الدول الصديقة لها، وهذا كما أوضحت سابقا هو سبب وقوفها مع أذربيجان لاستعادة كامل ترابها بموجب قرارات مجلس الأمن والشرعية الدولية.

 

لكننا في الوقت ذاته لا يمكن أن نتجاهل الروابط الثقافية والدينية والترابط الشعبي الممتد بين شعبنا التركي والشعوب التي تنتمي إلى العرق التركي في آسيا الوسطى. إن هذا العمق التاريخي لنا بالمنطقة، التي سكنها أجدادنا، ومنها جاؤوا لا يمكن لأحد أن يقطعه، وهو إرث نعتز به ونسعى للحفاظ عليه وتطويره، وهي رغبة مشتركة بين كل أبناء هذا الجزء المهم والحيوي من العالم.

 

*وكيف يتوافق الاحتفاء بهذا الإرث مع الاحتفاء بالجمهورية التركية، والتي قامت أساسا على أنقاض الدولة العثمانية؟

 

هذا ليس تناقضا، لا أحد يتنكر لماضيه، فكيف إذا كان هذا الماضي مشرقا وصفحته بيضاء، فاستقرت إرادة الشعب التركي على تأسيس الجمهورية، و تغيير النظام السياسي لا يلغي التاريخ، عجلة التاريخ تدور، واليوم تركيا الحديثة والمتطورة تفرض احترامها ووزنها السياسي على الجميع بدون أن تنسلخ من حضارتها الممتدة لمئات السنين.

 

*تركيا تتهم كذلك بأن لديها إستراتيجية توسعية، فهي موجودة في سوريا، وتشن حملات عسكرية في شمال العراق، وأرسلت قوات إلى ليبيا، وتوجد في الصومال إضافة لقاعدتها العسكرية في قطر.. وأعلنت دعمها لأذربيجان، هل هذه أيضا محاولات لإعادة التمدد في الأراضي العثمانية؟

 

الجمهورية التركية توجد بشكل شرعي في كل مناطق وجودها، وهو وجود يعزز الأمن الجماعي والاستقرار الإقليمي كما هو الحال في قطر، وجودنا لا يشكل خطرا على أحد، وهو وجود مبني على اتفاقيات سابقة حتى أزمة حصار قطر عام 2017، وكذلك الوجود في الصومال جاء برغبة من الحكومة الصومالية التي تثق في تركيا، إن مصلحتنا دائما تكون في استقرار الدول الصديقة، ودعم جهودها لحفظ أمنها وبناء جيش وطني محترف، ولتعزيز السلم الأهلي ومكافحة الإرهاب، والأمر نفسه ينطبق على ليبيا التي وقعت حكومتها الشرعية اتفاقية مشتركة للتعاون العسكري والأمني مع الدولة التركية.

 

ووجودنا وعمليات جيشنا في سوريا والعراق هو حق شرعي للدفاع عن أراضينا ومواطنينا، الذين يهاجمون من قبل عناصر تنظيم “بي كيه كيه” (PKK) الإرهابي انطلاقا من المناطق الحدودية في سوريا والعراق، ولا يملك أحد حق حرماننا من حماية أراضينا ومواطنينا.

 

نحن لم نقطع آلاف الكيلومترات لننشر قواتنا من أجل النفط في بلد شقيق، نحن موجودون لحماية شعبنا من عناصر إرهابية تحظى بدعم من بعض حلفائنا للأسف الشديد، وهذه العناصر الإرهابية قتلت مئات الأطفال والنساء والمواطنين الأتراك مستفيدة من هذا الغطاء السياسي، الذي توفره دول لديها معايير مزدوجة فيما يتعلق بإدانة ومحاربة الإرهاب.

 

العلاقة مع إسرائيل

 

*انتقدتم بشدة التطبيع بين الإمارات والبحرين وإسرائيل، لكن لديكم علاقات قديمة مع إسرائيل، عوضا عن العلاقات التجارية والاقتصادية؟

 

العلاقات التركية الإسرائيلية سابقة لوصول الحكومة الحالية بقيادة الرئيس رجب طيب أردوغان للحكم، كما أنها لم تكن يوما على حساب الحقوق التاريخية للأشقاء الفلسطينيين.

 

يشهد الفلسطينيون حكومة وشعبا بالدور التركي في دعم القضية الفلسطينية على المستوى الرسمي والشعبي، ولقد سالت دماء مواطنينا الأتراك في سفينة مرمرة، وهم يحاولون فك الحصار عن إخوتهم في قطاع غزة، فلا يقدر أحد أن يزايد على موقف بلادنا من القضية الفلسطينية.

 

موقفنا الرافض لتطبيع بعض الدول العربية مؤخرا لم يتجاوز موقف جامعة الدول العربية، الذي يتمسك إجماع أعضائها على رفض التطبيع مع إسرائيل حتى يتحقق السلام الشامل، ويستعيد الشعب الفلسطيني حقوقه، وكذلك يتوافق مع المبادرة العربية للسلام.

 

ونحن نعمل على الحفاظ على صمود الشعب الفلسطيني، ونساعد في علاج إخوتنا الفلسطينيين، ونسعى لتحقيق المصالحة بين أبناء الشعب الفلسطيني، واستضافت إسطنبول لقاءات بين حركتي فتح وحماس في سبيل ذلك، وجهودنا مستمرة أيضا للحفاظ على الآثار والمقدسات الإسلامية في القدس، ولدينا مشاريع لترميمها.

 

لقد رفضت تركيا صفقة القرن التي تحرم الشعب الفلسطيني من حقه في دولة حرة ومستقلة، واتساقا مع ذلك رفضت حكومتنا الخطوة الأحادية بنقل السفارة الأميركية إلى القدس، كما دعمت تركيا كل القرارات الأممية، التي صدرت عن مجلس الأمن الدولي حيال فلسطين.

 

تركيا والعالم العربي

 

*عملت في السعودية وهي أكبر دول الخليج لسنوات طويلة، وهناك أزمة واضحة بين البلدين، لدرجة إعلان حملات مقاطعة للبضائع التركية، وهناك تبادل حجب مواقع إعلامية، وحرب إعلامية واضحة منذ حصار قطر، ما حقيقة ما يجري لعلاقاتكم معها؟

 

لتركيا سفير في السعودية له خبرة وكفاءة عالية، وهو المعني بالحديث عن العلاقة بين البلدين؛ ولكنني أستطيع هنا أن أتحدث عن الجانب الإنساني والاجتماعي في علاقتي بالسعودية، فقد درست وعملت هناك لفترة طويلة، ولمست عن قرب في معاملاتي اليومية المعدن الأصيل للشعب السعودي.

 

وما أتمناه وأتوقعه أن تنجح الدولتان في تجاوز أية مشاكل تواجههما، فعلاقات البلدين والشعبين تاريخية ووثيقة، والتعاون بينهما ضروري لتلبية تطلعات الأمة الإسلامية بصفتهما من أقوى دول العالم الإسلامي وقوتين إقليميتين لهما ثقل كبير.

 

*ما هي حقيقة علاقة تركيا بمصر؟ في العلن هناك توتر في علاقات البلدين، وبالمقابل هناك حديث عن لقاءات سرية لتحسين العلاقات؟

 

تربطنا بمصر علاقات تاريخية منذ زمن بعيد، ودوما ما نُظهر أفقا يتجه لصالح مصر ومنفعتها، احتراما منا للشعب المصري، ولتاريخ مصر وهويتها وما تمثله من قيم، ونعتقد أنه من الضروري الفصل بين العلاقات الاقتصادية والاجتماعية من جهة والخلافات السياسية من جهة أخرى.

وكما هو معلن، فإن التواصل مع الجانب المصري قائم؛ لأن تركيا حريصة على علاقات جيدة مع الأشقاء في مصر، وأي خلاف لم يكن يوما ما مع مصر ككيان أبدا.

 

*يبدو أن جزءا كبيرا من إحراز تقدم تركي في ملف الحدود البحرية يرتبط بالتفاهم مع مصر، إلى أي حد أنتم مستعدون لتقديم تنازلات في سبيل تحقيق ذلك؟

 

أي تحرك تركي في ملف الحدود البحرية نابع من حرص تركيا على الحفاظ على حقوقها، ونؤكد بأنه في الوقت الذي تظهر مصر فيه إرادة التحرك بأجندة إيجابية في القضايا الإقليمية، ومنها ملف الحدود البحرية، فإن تركيا مستعدة للتجاوب مع ذلك، في حال تشكلت أرضية للتحرك معا في مواضيع ليبيا وفلسطين وشرق المتوسط وغيرها من القضايا، فإن تركيا لا يمكنها إلا أن تنظر بإيجابية إلى ذلك، وتقدم إسهاما إيجابيا.

 

كما أن الجانب المصري يدرك أن تركيا تدعمه في الحصول على حقوقه في حدوده البحرية، كما تأمل أن يحترم الجميع حدود تركيا البحرية، وحقها التاريخي في تلك الحدود.

 

*لو انتقلنا لسوريا، قواتكم موجودة هناك، لكن الأوضاع في الشمال السوري مأساوية، ولم تتمكنوا لليوم من إعادة ملايين اللاجئين، الذين هجروا إما إلى حدودكم أو داخل تركيا، كيف تصف الوضع هناك حاليا، وما الذي تمكنتم من إنجازه للناس هناك؟

 

بعد الانتهاء بنجاح من عملية درع الفرات في 2017 وعملية غصن الزيتون في 2018، قامت تركيا بتطهير منطقة تزيد عن 4 آلاف كيلومتر مربع من إرهاب داعش وحزب العمال الكردستاني، حيث سمح نجاح عمليات مكافحة الإرهاب هذه لأكثر من 410 آلاف سوري بالعودة إلى ديارهم في مناطق العمليات.

 

ومع إطلاق “عملية نبع السلام” في 9 أكتوبر/تشرين الأول 2019 تم إنجاز عدة نتائج مهمة استهدفتها الدولة التركية من هذه العملية أهمها:

(1) القضاء على تهديد إرهابي طويل الأمد للأمن القومي التركي.

(2) المساهمة في الحفاظ على وحدة أراضي سوريا من خلال تطهير الحدود من عناصر حزب العمال الكردستاني.

(3) تحرير السكان المحليين من قمع الإرهابيين.

 

كما أن جهود تركيا في تطهير الأراضي السورية من الجماعات الإرهابية لا تعيد الأمن والاستقرار إلى هذه الأراضي فحسب؛ بل تشجع النازحين السوريين على العودة إلى ديارهم في هذه المناطق.

 

*ما تقييمكم للتجاذبات التركية الأوروبية حول قضية اللاجئين السوريين، هناك من يتهم تركيا باستخدام ملف اللاجئين لابتزاز أوروبا، كيف ترون الحل الأمثل لهذه القضية؟

 

أعتقد أن هناك مشكلة تكمن في نظرة بعض متخذي القرار الأوروبي لتقييم الوضع السوري، حيث تختزل هذه الكارثة السورية الكبيرة بكل ما تحمله من تبعات في أزمة اللاجئين فقط، وبالرغم من جهود تركيا في استقبال ملايين اللاجئين، وتوفير مقومات الحياة الكريمة لهم؛ إلا أن الدول الأوروبية لم تلتزم بتعهداتها المالية في هذا الإطار، ونرى أنه حتى إن التزمت هذه الدول الأوروبية بتسديد الدفعات المالية، التي تعهدت بها للجهات الإغاثية التركية من أجل مساعدة اللاجئين، فإن ذلك لن يحل المشكلة بشكل كامل؛ لأن الحل الوحيد هو اتفاق الدول الكبرى والإقليمية على إنهاء الحرب في سوريا، وتنفيذ ذلك على الأرض بإرادة دولية، وهذا هو الحل الجذري الذي سيرضي جميع الأطراف وعلى رأسها أبناء الشعب السوري، الذي يتوق للعودة إلى وطنه، ووفق هذا الهدف وهذه الإرادة وهذا التصور أعتقد أنه لا مجال للحديث عن الابتزاز، تركيا تريد حلا جذريا للوضع السوري تنتهي معه معاناة الشعب السوري بأسره، وجزء منها معاناة اللاجئين.

 

*مع زيادة أعداد اللاجئين والمهاجرين ودخول مئات الآلاف من العرب إلى تركيا هل ترون أن هذا يؤدي إلى تغيير في التركيبة السكانية؟ وهل يتسبب هذا في غضب اجتماعي؟ كيف تتعاملون مع ذلك؟

 

الدولة التركية ترحب بكل قادم إليها سواء كان من العرب أو من غير العرب، وينظم القانون التركي وجود أي شخص يدخل إلى الأراضي التركية سواء كان سائحا أو حتى لاجئا طالبا الحماية، وقد استضافت الدولة التركية أعدادا كبيرة من اللاجئين السوريين في السنوات الأخيرة نظرا لظروف الحرب.

 

بحكم تاريخ الدولة التركية، فإن التنوع البشري حاصل منذ أزمان، ولا يوجد أي وضع غريب أو غير معتاد في هذا السياق، حيث ترى الدولة التركية في التنوع البشري على أراضيها فرصة وثراء يضعها في مصاف الدول المتقدمة على أرضية قدرة الدولة على الاستفادة المثلى من الكوادر والطاقات على الأراضي التركية، والتي تعزز من إمكانات الدولة في جميع المجالات، وذلك في إطار النظم واللوائح والقوانين المنظمة لذلك.

 

وإجراءات الاندماج التي نجحت الدولة التركية في تطبيقها على كافة الأصعدة سواء على المستوى الرسمي أو الشعبي، قد أزالت أي شعور بهذه التصنيفات، كما نعتقد أن اندماج العنصر البشري في تركيا هو مسؤولية مشتركة بين الدولة التركية وبين كل فرد يعيش على الأراضي التركية، وأرى أن الأمور تسير بشكل جيد جدا في هذا الاتجاه.

 

*هناك حديث عن نقل قاعدة إنجرليك لإحدى الجزر اليونانية، وهناك وقف للتعاون في تصنيع طائرات “إف-35” (F-35) بسبب أزمة صواريخ “إس-400” (S-400)، ما خيارات تركيا إزاء واشنطن في هذه الملفات؟

 

هذه معلومات لا أساس لها من الصحة، وتركيا باقية حتى اليوم في برنامج تصنيع المقاتلة إف-35، وفي الوقت ذاته أثبت برنامجنا الوطني للتسليح قدرتنا على تحقيق الاكتفاء الذاتي قريبا، ولدينا برنامج طموح لتصنيع مقاتلتنا الوطنية من الجيل الخامس، فنحن دولة تنتج سلاحها، والعالم شهد بنفسه تفوق المسيرات التركية.

 

تركيا وروسيا

 

*علاقات تركيا بروسيا يصعب فهمها كذلك، فهي تبدو تحالفا أو تفاهما كبيرا في سوريا، وتنافسا وتوترا في الحرب بين أرمينيا وأذربيجان، كيف تفسر هذه العلاقة أيضا؟

 

علاقتنا مع روسيا إستراتيجية وأوجه التعاون بين بلدينا متعددة، خاصة في الناحية الاقتصادية واللقاءات بين المسؤولين الأتراك والروس لا تنقطع على كافة المستويات، ولا يعني هذا تطابق المواقف، فتركيا دولة لها سياستها المستقلة النابعة من قيمها ومبادئها ومصالحها، والتي قد تختلف مع وجهات النظر الروسية في بعض الملفات، وهذا طبيعي في السياسة الدولية، فلا يمكن أن تصبح الدول كلها نسخة واحدة، قد نلتقي في ملف ونختلف في الآخر، المهم هواحترام مواقف الدول وسيادتها والتعاون المتبادل وإيجاد آليات لحل الخلافات، إن وجدت.

 

العلاقات مع أوروبا

 

*التوترات تحيط بعلاقات تركيا مع أوروبا، وسيف العقوبات الأوروبية ضد تركيا ما زال مطروحا بسبب أزمة غاز شرق المتوسط، إلى أي مدى يمكن أن تؤثر هذه العقوبات عليكم؟ وما خيارات تركيا في هذه الحالة؟

 

تركيا دولة ذات سيادة، ولا يمكن أن تجدي معها سياسة التلويح بالعقوبات الأوروبية، وهي سياسة غير بناءة ولا يمكن أن تكون حلا لأي مشكلة، نحن حريصون على تعزيز علاقتنا مع دول الاتحاد الأوروبي، وحل المشكلات العالقة عبر الحوار، وفي إطار المصالح المشتركة، والاحترام المتبادل، والعقوبات لن تتأثر بها تركيا وحدها، دول الاتحاد الأوروبي أيضا ستتأثر في حال اتخذت تركيا ردود فعل مماثلة.

 

تركيا ملتزمة بدورها في حلف الناتو، وجيشنا هو ثاني جيش من حيث تعداد الجنود في الحلف، ونحن نؤمن أننا شركاء في الأمن الجماعي لأعضاء الحلف ومن بينهم الشركاء الأوروبيون، ما يجمعنا إستراتيجيا أكثر من أي خلاف عابر.

 

*هل ما زالت تركيا حريصة على دخول النادي الأوروبي في الوقت الذي تغادره دولة محورية فيه مثل بريطانيا؟ وماذا تنتظر تركيا من أوروبا عموما؟ وهل تتصورون أنه كان في الأصل مطلبا قابلا للتحقيق في ظل القلق الأوروبي التاريخي من الأتراك والعثمانيين؟

 

انضمامنا للاتحاد الأوروبي هدف إستراتيجي مصممون على المضي قدما في تحقيقه رغم المعوقات التي تواجهنا في سبيل ذلك، نحن لدينا كثير من المشتركات مع أصدقائنا الأوروبيين، ونعتقد أن الكثير من القلق التاريخي قد تم تجاوزه، فعلى سبيل المثال تركيا في أعلى قائمة أهم 5 شركاء تجاريين للاتحاد الأوروبي، والتبادل التجاري بين الجانبين تضاعف عدة مرات منذ تأسيس الاتحاد الجمركي بين الجانبين قبل 20 عاما، فالاقتصاد بين الجانبين بات متداخلا بشكل كبير، وغيرها من أوجه التعاون التي تنمو بشكل مستمر، ونتمنى أن تكلل بقبول عضوية تركيا، فذلك يساهم في تعزيز المجالات الاقتصادية والسياسية والأمنية والاجتماعية للاتحاد الأوروبي، وسيجعل منه لاعبا دوليا مهما، ويحقق المصالح العليا للجانبين، ونعتقد أن قبول عضوية تركيا في الاتحاد الأوروبي أمر يمكن تحقيقه؛ بل نعتقد أنه قد حان وقته، فهو يمثل أهمية إستراتيجية سواء لتركيا أو للاتحاد الأوروبي.

 

تركيا اليوم

 

*هل يمكن أن تحدثنا عن تركيا اليوم، مقارنة بتركيا قبل نحو 20 عاما؟

 

لا يمكن أن نقارن تركيا بوضعها قبل 20 عاما، فهي الآن في مصاف الدول المتقدمة، فهناك حقائق وتغيرات حدثت على مدار السنوات 20 الماضية، والتي مثلت خطوة كبيرة في النهوض ببلادنا، ويلمسها بشكل واضح شعبنا وكل من يقدم إلى تركيا.

 

قبل 20 عاما كانت ميزانية التعليم 8.7 مليارات ليرة، واليوم وصلت إلى 131 مليار ليرة تركية، وقد وصل عدد المدن الطبية في شتى أنحاء البلاد لـ15 مدينة طبية، وتضاعفت عدد مراكز الشباب من 9 إلى 336، والمنشآت الرياضية من 1575 إلى قرابة الـ4 آلاف منشآة.

 

وفي عام 2013 سددت تركيا ديونها بالكامل لصندوق النقد الدولي، والتي وصلت إلى 22.5 مليار دولار، وقبل 20 عاما كان مقدار الاستثمارات الأجنبية في تركيا 15 مليار دولار، واليوم يبلغ حجم الاستثمارات 217 مليار دولار، وارتفع الدخل القومي من 236 مليار دولار إلى 754 مليار دولار خلال 20 سنة، ووصل نصيب الفرد من إجمالي الدخل القومي ما يقرب من 9 آلاف دولار بعد أن كان 3 آلاف و500 دولار سنويا، والطفرة الصناعية التي حدثت في شتى المجالات المدنية والعسكرية، تركيا اليوم تنتج السلاح، كما أن الحلم التركي منذ عشرات السنين في تصنيع سيارة محلية قد تحقق، وستدخل السيارة في الخدمة خلال السنتين القادمتين، وغيرها من التطورات التي لا يتسع المقام لذكرها.

 

وبالاختصار تركيا قبل 20 عاما كانت دولة قابعة في مشاكلها الداخلية؛ ولكن اليوم هي دولة مؤثرة، ونجحت في أن تكون لاعبا مهما في المنطقة؛ بل تساعد الدول النامية والمحتاجة.

 

فتشير التقارير الصادرة حول حجم المساعدات الإنسانية خلال 2018، إلى أن تركيا تصدرت قائمة المانحين، بمساعدات تجاوزت قيمتها أكثر من 8 مليارات دولار.

 

*على صعيد الاقتصاد، رغم أن تركيا بلد صناعي ودخل في مجال الصناعات الثقيلة والمتقدمة تكنولوجيا؛ إلا أن الليرة التركية تنتكس وتتراجع قيمتها بنسب كبيرة، هل يعود السبب لعوامل اقتصادية طبيعية أم هناك عوامل خارجية تؤدي لهذه النتيجة؟

 

لا ننكر أن هناك بعض الصعوبات الاقتصادية؛ لكن الاقتصاد التركي قوي، وتراجع سعر الليرة لا يعبر أبدا عن ضعف اقتصادنا، وفي كثير من الأحيان التي حدث فيها ذلك كان بسبب عوامل سياسية، فقد واجهنا في فترات عدة حروب اقتصادية تستهدف المس بسيادة تركيا وقراراتها، وكذلك محاولة الانقلاب الفاشلة، وقد أعلنت الحكومة التركية مؤخرا عن برنامج للتحول الاقتصادي، وهو يسير وفق المخطط ويأتي بنتائج مرضية.

 

 

المصدر : الجزيرة

زر الذهاب إلى الأعلى