أخبار عالميةالأخبارمواضيع ثقافية وسياسية

مجلة إيكنومويست: لماذا لن تكون نهاية الإمبراطورية الأميركية سلمية؟

ضمن ملف نشرته مجلة “إيكنومويست” (Economist) البريطانية حول مستقبل القوة الأميركية بعد أحداث 11 سبتمبر/أيلول 2001 وصعود الصين والانسحاب من أفغانستان، قدم المؤرخ الأسكتلندي الأميركي الأستاذ في جامعة هارفرد سابقا نيال فيرغسون رؤيته حول ما يعتبره “نهاية الإمبراطورية الأميركية” مشيرا إلى أنها لن تكون سلمية وسلسة.

 

ويتساءل الأكاديمي المختص بالتاريخ الدولي والاقتصادي، الذي كان مؤيدا لحرب العراق 2003، في مقاله بالمجلة البريطانية “هل تساعدنا خبرة البريطانيين في فهم مستقبل القوة الأميركية؟” ويجيب عن سؤاله بالقول إن الأميركيين يفضلون استخلاص الدروس من تاريخ الولايات المتحدة ذاتها، ولكن قد يكون من المفيد مقارنة الدولة مع سابقتها، لأن أميركا اليوم من نواح كثيرة تشبه بريطانيا في فترة ما بين الحربين العالميتين.

 

حقائق غير سارة

 

ويعتبر فيرغسون -الذي يأسف على “تنحية المسيحية من أوروبا” وعلمنة القارة التي تجعلها “ضعيفة في مواجهة التعصب”- أن المواطن الأميركي الذي يتابع الانسحاب “المذل” لقوات بلاده من أفغانستان سيجد أن انتقادات ونستون تشرشل -رئيس وزراء بريطانيا السابق- لحكومة بلاده خلال الحرب العالمية الأولى تنطبق على الوضع الأميركي الحالي.

 

وكان تشرشل كتب منتقدا انتشار الشعبوية وتجاهل القضايا الحساسة، وتغليب المصالح الانتخابية على مصالح الدولة الحيوية، في حين كانت “الجماهير غارقة في الجهل، وقادتهم مشغولين بكسب الأصوات فحسب، ويرفضون مواجهة الشعب بالحقائق غير السارة”.

 

عانت بريطانيا آنذاك من مزيج المشكلات القومية والإمبراطورية، وخرجت من الحرب العالمية لتواجه أزمة مالية (1918 و1919) وجائحة عالمية (الإنفلونزا الإسبانية) وتفاقمت الديون بشدة رغم أن العملة البريطانية بقيت مهيمنة عالميا.

 

وفي الوقت الذي تجاهلت فيه النخب السياسية الحاكمة تطورات النظام العالمي وتحولاته آنذاك، كانت الهيمنة البريطانية العالمية مهددة في أوروبا وآسيا والشرق الأوسط، في حين كانت عصبة الأمم على مشارف الانهيار. وباختصار، كانت الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس آيلة للأفول.

 

وبحسب المؤرخ -الذي يرى أن بريطانيا “صنعت العالم الحديث” بنشر الديمقراطية والتجارة الحرة والرأسمالية وسيادة القانون والبروتستانتية واللغة الإنجليزية- فإن العديد من الكتابات خلال العقود الماضية تنبأت بالتراجع الأميركي، لكن ذلك التراجع قد لا يكون هادئا ومتدرجا كما كان التراجع البريطاني بين ثلاثينيات وخمسينيات القرن الماضي.

 

اقتصاد الديون

 

يقارن المؤرخ -الذي توقع أزمة أميركا المالية في 2008- بين الولايات المتحدة اليوم والإمبراطورية الإنجليزية قبل نحو قرن، مشيرا إلى أن الديون وصلت في بريطانيا لما يصل إلى 200% من الناتج المحلي الإجمالي سنة 1934، في حين كانت الديون في طريقها لتخطي تلك العتبة في أميركا بحلول 1951.

 

لكنّ هناك فرقا مهما بين الولايات المتحدة اليوم والمملكة المتحدة منذ ما يقرب من قرن من الزمان، وهو أن متوسط ​​استحقاق الدين الفدرالي الأميركي قصير جدًا (65 شهرًا)، في حين أن أكثر من 40% من الدين العام البريطاني اتخذ شكل سندات دائمة أو معاشات التقاعد. وهذا يعني أن الدين الأميركي اليوم أكثر حساسية لتحركات أسعار الفائدة من بريطانيا.

 

ويعني ذلك أن الدين الأميركي الحالي أكثر ارتباطا بتقلبات أسعار الفائدة، وينبه المؤرخ -في السياق ذاته- على مخاطر التضخم وارتفاع أسعار الفائدة وتكاليف خدمة الديون.

 

ويقارن الكاتب بين سياسات أميركا الحالية وسياسات بريطانيا في ثلاثينيات القرن الماضي التي وصفها تشرشل بأنها تتجنب المواجهة، وتماطل في مواجهة السلوك العدواني لهتلر وموسوليني ونظام اليابان العسكري آنذاك، معتبرا أن غالبية الأميركيين حاليا يشبهون غالبية البريطانيين في زمن ما بين الحربين العالميتين في أنهم لا يريدون التفكير في احتمال شن حرب كبرى ضد نظام أو تحالف أنظمة أجنبية.

 

ورغم أن أميركا -والقول للكاتب- لا تواجه احتمال مواجهة مع الصين مثلما كان الحال في زمن الحربين، فإن الصين تشكل تحديا اقتصاديا للولايات المتحدة أكبر مما كان عليه الاتحاد السوفياتي من قبل.

 

تراجع غربي

 

وفي سياق مقارنة التراجع الأميركي الحالي مع نظيره البريطاني، يرى المؤرخ -المعروف بتنظيره للتراجع الغربي- أن أحد الأسباب الكبرى للضعف البريطاني بين الحربين العالميتين هو تمرد المثقفين ضد الإمبراطورية وبشكل عام ضد القيم البريطانية التقليدية. وفي المقابل، ترسخت فكرة بريطانيا المنحلة في صورة ذهنية لدى ألمانيا وروسيا وإيطاليا واليابان، وهو ما قد يشبه نظرة الدبلوماسيين الصينيين والمفكرين الوطنيين لأميركا اليوم، مستشهدا بما كتبه الأديب الإنجليزي والروائي جورج أورويل الذي قال “لم أكن حتى أعرف بأن الإمبراطورية البريطانية تحتضر”.

 

وفي ذلك الوقت، تبنى كثير من النخب الإنجليزية المذاهب الشيوعية وانجذب كثير من أبناء النخبة الأرستقراطية لأفكار هتلر، في حين سخر آخرون من الإمبراطورية ولم يحتفوا بها.

 

وبكلمات موجزة، يقول الكاتب، إنه على غرار ما حدث للبريطانيين في ثلاثينيات القرن الماضي، لم يعد الأميركيون في عشرينيات القرن الحالي يحبون الإمبراطورية، وهو ما أسعد المراقبين الصينيين كثيرا.

 

اعتراف بالهزيمة

 

ويستدرك الكاتب -المعروف بمواقفه المعارضة للهجرة والمسلمين- بالقول إن المشكلة التي كشفتها “كارثة الانسحاب من أفغانستان” هي أن التراجع عن الهيمنة العالمية لا يكون عملية سلمية.

 

وبغض النظر عما تقوله أميركا، فإن الإعلان عن نهاية الحرب الأطول في تاريخ البلاد من دون أي مكاسب، هو اعتراف صريح بالهزيمة بالنسبة للعالم ككل وبالنسبة لطالبان أيضا.

 

ويرى الكاتب أنه لا شيء حتمي في صعود الصين أو روسيا، خاصة أن البُلدان المتحالفة معهما مثل كوريا الشمالية وفنزويلا بلدان فاشلة اقتصاديا، في حين تشهد الصين شيخوخة ديمغرافية متسارعة ونقصا في قوتها العالمية وديونا لقطاعها الخاص تلقي بآثارها على النمو الاقتصادي، إضافة إلى تبعات أزمة المناخ وجائحة كورونا، بحسب تحليله.

 

ويختم الكاتب بقول تشرشل إن “الحقائق أفضل من الأحلام” مؤكدا أن القادة الأميركيين أصبحوا في السنوات الأخيرة مغرمين بالأحلام، بدءا من خيال الهيمنة في عهد جورج بوش، وصولا إلى كابوس الفوضى المظلم على الأراضي الأميركية في عهد دونالد ترامب، وبينما تنذر الأوضاع الراهنة بعاصفة عالمية جديدة، يبدو الوقت مناسبا لمواجهة حقيقية أدركها تشرشل جيدا وهي أن نهاية الإمبراطوريات نادرا ما تكون عملية غير مؤلمة.

زر الذهاب إلى الأعلى