ملفات ساخنة

معركة أنوال.. يوم هزم الخطابي جيش الإسبان في شمال المغرب

معركة شرسة انهزم فيها الاحتلال الإسباني صيف 1921 أمام المقاومة المغربية بقيادة المجاهد محمد بن عبد الكريم الخطابي، وكانت لها عواقب سياسية وعسكرية واقتصادية على الإسبان.

 

في يوم الجمعة 21 يوليو/تموز 1921، تعرّض الجيش الإسباني لأكبر هزيمة في تاريخه، وتسمى في أدبياته العسكرية “كارثة أنوال”.

 

فقد الإسبان 13 ألف جندي بقيادة الجنرال سلفستري، في حرب كان أبطالها مغاربة بقيادة محمد عبد الكريم الخطابي من منطقة الريف (شمال المغرب)، ولا يتجاوز عددهم 4 آلاف مسلحين بأسلحة تقليدية.

 

وتسمى المعركة بالموقع الذي جرت فيه، وهو موقع “أنوال” إحدى قرى منطقة جبال الريف. وكانت من أكبر المعارك التاريخية التي جرت بين المغرب وإسبانيا.

 

اعتمد فيها القائد محمد بن عبد الكريم الخطابي على حرب الكمائن (العصابات) وعلى التنظيم العسكري والإداري لمقاومة الاحتلال الإسباني، كما كانت بمثابة زلزال هز عرش الإمبراطورية الإسبانية فأطاح بحكومتها ووضع سمعة جيشها على المحك.

 

ولم تكن “أنوال” المعركة الوحيدة التي خاضتها الثورة الريفية، وإنما كانت بوابة تحرير معظم الشمال المغربي، وكان لنتائجها صدى كبير على الصعيد المحلي والوطني والعربي والدولي.

 

وعلى الرغم من مرور 100 عام على تلك المعركة، ما زالت “أنوال” تعتبر علامة فارقة في تاريخ الحروب الأوروبية العربية في القرن العشرين.

 

مواجهة الاحتلال الإسباني

 

منذ القرن السابع عشر، انفردت إسبانيا بالاحتلال والعدوان المستمر على العديد من المدن والموانئ الساحلية المغربية، وانطلقت من قواعدها الاستيطانية المحتلة في سبتة ومليلة في الشمال المغربي، لكنها بقيت عاجزة عن احتلال المغرب لممانعة فرنسا وبريطانيا.

 

وكانت دوافع إسبانيا من احتلال الشمال المغربي (مناطق الريف وجبالة) دينية وقومية وإستراتيجية واستيطانية، بينما الدوافع الاقتصادية كانت الأكثر وضوحا في مطلع القرن العشرين.

 

ومنذ إعلان الاتفاق الفرنسي الإسباني للحماية الإسبانية على شمال المغرب في 27 نوفمبر/تشرين الثاني 1912، بدأ الكفاح الشعبي المسلح في الشمال المغربي ضد الاحتلال الإسباني، وقاده أحمد الريسوني زعيم قبيلة الريسونيين في إقليم جبالة منذ 1912، واستمر حتى عام 1924.

 

وفي منطقة الريف، قاد الثورة الأولى محمد أمزيان (1909-1912) إلى حين استشهاده. وبدأت الثورة الريفية الثانية بقيادة محمد بن عبد الكريم الخطابي منذ منتصف عام 1921، ولم تتوقف حتى منتصف عام 1926. وطوال 5 سنوات خاض الكثير من المعارك، وكان أبرزها معركة “أنوال”.

 

قائد ثورة الريف

 

في أوائل القرن الرابع عشر عام 1882، ولد محمد عبد الكريم الخطابي في بلدة “أجدير” بالريف الشمالي، في أسرة صاحبة زعامة في قبيلتها “بني ورياغل”، وكانت الأكبر عددا والأعظم نفوذا بالمنطقة، وقد اشتهر كثير من أفرادها بمواجهة الإسبان، أما والده فكان قاضيا شرعيا.

 

تخرج الخطابي من جامعة القرويين في فاس، ثم التحق بجامعة “سلمنكا” الإسبانية، ودرس الحقوق وحصل على درجة الدكتوراه، وكان مستشارا للسلطات الإسبانية في الشؤون العربية، ثم ساهم في صحيفة “تلغراف الريف” الإسبانية، وعين عام 1914 قاضيا مدنيا في مليلة التي يحتلها الإسبان واتخذوها معسكرا لجيش المنطقة الريفية الشرقية بقيادة الجنرال سلفستري.

 

وكان والده قد أظهر معارضته الشديدة لسياسة الإسبان في الريف، فعزلوا ابنه الأكبر محمد من القضاء واعتقلوه عام 1920، وقد حاول الفرار لكنه سقط وكسرت ساقه.

 

وعندما أطلق سراحه، جمع محمد بن عبد الكريم الخطابي أنصارا من ورياغل (قبيلته)، وقد آلت إليه زعامتها بعد وفاة أبيه في معركة “تافْريست” عام 1920.

 

جمع الخطابي كلمة القبائل ونظم المقاومة، كما وضع أسس أسلوب حرب الكمائن (العصابات) الذي كان فعالا في مواجهة جيش مزود بالعتاد الحديث.

 

وقام بتدريب المجاهدين على أساليب الحرب. كما عكف على شراء الأسلحة والعتاد وتخزينه، قبل الإعلان عن الثورة المسلحة في إقليم الريف منتصف عام 1921.

 

ميدان المعركة

 

تمتد منطقة الريف ما بين قبائل غمارة وهضاب نهر الملوية شرقا، مشرفة على البحر المتوسط شمالا، وعلى مدينة تازة وسهول مسون جنوبا.

 

وتمتاز المنطقة بوعورة مسالكها وتعقد تضاريسها، حيث تمتد الجبال من الشرق إلى الغرب، ويصل ارتفاع أعلى قممها إلى 3 آلاف متر.

 

كان يغلب الطابع القبلي على التكوين الاجتماعي في الشمال المغربي، ويتم حلّ النزاعات القبلية عن طريق “إمغازن” أي رؤساء القبائل. وتميز الريفيون بعنايتهم الكبيرة بالعلم الشرعي، وقد عرفت قبائل الريف منذ فجر الإسلام باسم الأمازيغ، واشتهروا بحبهم للجهاد والكفاح.

 

وتسمى معركة “أنوال” بالموقع الذي جرت فيه أبرز معارك الريف في تاريخ الحرب المغربية الإسبانية. و”أنوال” بالأمازيغية تعني “الأخدود” الذي تشتد فيه الحرارة صيفا.

 

ومركز أنوال سبق للقوات الاستعمارية الإسبانية أن احتلته في 15 يناير/كانون الثاني 1921، سعيا للوصول إلى قبائل “آيت ورياغل” مركز قيادة الثورة الريفية التي تتمركز في الجهة الغربية على بعد أكثر من 100 كيلومتر من هضبة أنوال.

 

وكانت قرية أنوال تلقب في القديم بـ”شام الريف”، وتقع على بعد 60 كيلومترا من مدينة مليلية المحتلة، ومن أبرز معالمها جبل “إيزيرن” الذي وقعت فيه المعركة.

 

على مشارف أنوال

 

لم يكن الإسبان قد تقدموا في الناحية الشرقية من منطقة الحماية سوى 130 كلم غرب مدينة مليلة، هذا كل ما أنجزوه من الناحية العسكرية طوال 10 أعوام بسبب المقاومة الشعبية القوية.

 

وقع اختيار ملك إسبانيا آنذاك على الجنرال سلفستري لقيادة جيش الاحتلال الإسباني عام 1920، وكان قد تمرس بالحروب في كوبا والفلبين، وكان يتطلع إلى فرض سيطرته المطلقة على منطقة الريف.

 

وفي أوائل مايو/أيار، شرع الجنرال في اتخاذ الترتيبات التي مكنته من احتلال عدة مراكز، لم تكلف الجيش الإسباني أي خسائر، لأن ضحاياها كانوا مغاربة عاملين تحت لواء إسبانيا، واندفع في احتلال المناطق إلى أن اقترب من قبيلة “بني ورياغل” معقل الخطابي.

 

وكان أول ما قام به القائد الخطابي في حربه مع قوات سلفستري هو تحرير مركز “إدار أبارا” الذي استولى عليه الإسبان، وذلك بـ300 مقاتل، وطردهم بعد معركة شديدة خسروا فيها 400 جندي و6 ضباط، وغنم فيها الريفيون كثيرا من البنادق والمدافع والذخيرة، وكان لهذا النصر أثره في توحيد صفوف الريفيين.

 

هجم سلفستري في جهة سيدي بيسان في الشمال الغربي من أنوال، ولكن جنود الخطابي كبّدوه خسائر فادحة تقدر بـ314 قتيلا، بينما فقد الريفيون 7 من رجالهم.

 

الانتصار الكبير

 

كان سلفستري قد توغل بجيوش كبيرة العدد، ولقي مقاومة انهزمت بها قواته في معركة “ظهر أوبران”، ولكنه لم يتراجع، فتوغل جهة الجنوب في سلسلة من المرتفعات الوعرة التي تعرف بـ”أنوال”.

 

وكانت أعداد جيشه تزيد على 22 ألفا بأسلحة ثقيلة ومدفعية متطورة، بينما كانت وعورة المرتفعات هي سلاح الريفيين الذين لم يتجاوز عددهم 4 آلاف بأسلحة تقليدية، إضافة إلى عنصر المفاجأة وقطع خط الإمدادات.

 

حاصرت قوات الخطابي جيش سلفستري، ولم يستطع قائد القوات الإسبانية فك الحصار عن جيوشه، ثم جرت المعركة في أراضي “أنوال”، واضطر الجيش الاسباني إلى الانسحاب وإخلاء مركز “أنوال”.

 

وسقط بانهزامهم أكثر من 100 مركز حربي في يد مقاتلي الخطابي، وكان تقهقر الإسبانيين في شكل هروب لم يحتج معه الريفيون أثناء متابعتهم لاستعمال السلاح.

 

وكانت نية سلفستري هي احتلال مدينة الحسيمة التي تبعد عن أنوال 30 كيلومترا، لكن الخطابي تربّص وألحق به هزيمة كبيرة.

 

وتجمّع مصادر تاريخية أن المعركة سقط فيها أكثر من 18 ألف جندي إسباني، من بينهم سلفستري الذي كان يراقب انسحاب الجيش من أنوال على قمة مرتفعة، ولمحه أحد المسلحين من الأهالي، فتسلل نحوه وأطلق عليه النار.

 

ولم تنج سوى فرقة بقيادة جنيرال يدعى نافارو، نجحت في الفرار من كماشة المقاومين نحو الشرق إلى منطقة جبل العروي، حيث جرت ملاحقتها والقضاء عليها بعد أسر قائدها.

 

واستطاعت المقاومة الريفية متابعة فلول قوات سلفستري الهاربة من المعركة في جميع المراكز الإسبانية بإقليم الريف، وخاضت ضدهم ما يزيد على 200 معركة أدت إلى سقوط 196 مركزا ما بين 13 يوليو/تموز و9 أغسطس/آب 1921.

 

مكاسب معركة أنوال

 

وصف المؤرخون معركة أنوال بأنها كانت شديدة ولم يسبق لها مثيل في المعارك التي خاضتها إسبانيا مند دخولها الشمال المغربي، إذ تكبدت القوات الإسبانية خسائر فادحة في الأفراد والمعدات، وكلفت خزينة الدولة أكثر من مليون بسيطة في اليوم الواحد.

 

وبلغت -بحسب تقدير المصادر الرسمية الإسبانية- خسائر الإسبان 19 ألف قتيل، و4300 جريح، و370 أسيرا، فضلا عن كثير من المعدات العسكرية والتموينية والطبية التي كتب الخطابي في مذكراته أنها بلغت “200 مدفع من عيار 75 أو 65 أو 77، وأكثر من 20 ألف بندقية، ومقادير لا تحصى من القذائف وملايين الخراطيش، وسيارات وشاحنات، وتموينا كثيرا يتجاوز الحاجة، وأدوية، وأجهزة للتخييم.. و700 أسير”، وقال “لقد أعطانا الإسبان في ليلة واحدة كل ما نحتاج إليه للقيام بحرب كبيرة”.

 

كان وقع الهزيمة قويا على إسبانيا، إذ أدى الأمر إلى استقالة الحكومة الإسبانية في 10 أغسطس/آب 1921، وحدث انقسام بين العسكريين وارتفعت الأصوات المناوئة للحرب والمطالبة بالجلاء عن المغرب على ضوء الخسائر الفادحة التي تكبدتها القوات الإسبانية، وبتقديم المسؤولين عنها للمحاكمة.

 

أصداء معركة أنوال

 

كانت أصداء المعركة إيجابية على الصعيد المغربي والعربي أيضا، وكان لها تأثير على مسيرة العديد من الثورات العالمية مثل الثورة الفيتنامية والثورة الصينية باعتراف قادتها.

 

وحظيت الحروب الريفية باهتمام المؤرخين المغاربة والأجانب، وكان لهزيمة الجيش الإسباني على يد المجاهدين المغاربة في معركة أنوال صدى واسع وحضور كبير في تاريخ المقاومات المسلحة للدول الاستعمارية.

 

وقال المقيم العام الإسباني بالمغرب الجنرال بيرينكير، “هذه هي أعظم كارثة عسكرية عرفتها إسبانيا في تاريخها”، كما وصفها الصحفي مانويل ليغوينتشي مؤلف كتاب “أنوال عام 1921.. الكارثة الإسبانية في الريف”، بأنها “أسوأ حرب في أسوأ وقت في أسوأ مكان في العالم (…) إنها معركة لم يرغب أحد في سماع أخبارها طوال 75 عاما”.

 

وتنعكس الصدمة التي سببتها هزيمة أنوال على الأدب الإسباني في كثير من الأعمال، مثل “صناعة التمرد” لأرتورو باريا، أو “اسمنا جميعا” للورينزو سيلفا.

 

ومن بين أكثر الأبحاث تحقيقا في الواقعة التاريخية، كتاب “العناق المميت” لسيباستيان بلفور، و”السيرة الذاتية لعبد الكريم الخطابي” لماريا روسا دي مادريغا، وقلعة “مونتي أروت”.

 

تحالف فرنسي إسباني وحرب كيميائية

 

بعد ظفر الخطابي في معركة أنوال، تتابعت معاركه؛ فاسترد مدينة شفشاون في شمال المغرب عام 1925، وحاول استرداد تطوان، وقدر عدد جيشه بمئة ألف، فتوجس الفرنسيون من امتداد الثورة إلى داخل المغرب، وتحالفوا مع الإسبان ضده.

 

وفي مطلع مايو/أيار 1926، بدأ عدوانهما المشترك الشامل على بلاد الريف، في حرب استعمل فيها السلاح الكيمياوي للقضاء على الثورة الريفية، فنجحا في إلحاق الهزيمة بالمجاهدين الريفيين، واجتياح المنطقة بعد 3 حملات ضخمة، والقضاء على ثورة الريف.

 

خسر الخطابي ما يقرب من 20 ألفا من جنوده في المعارك، واضطر للاستسلام في 25 مايو/أيار 1926، خوفا من إبادة أهل الريف، فنفي إلى جزيرة رينيون في بحر الهند حوالي 21 عاما. وفي عام 1947، وأثناء عودته إلى فرنسا، نزل في ميناء بورسعيد وطلب اللجوء السياسي في مصر، وبقي مقيما في القاهرة حتى وفاته عام 1963 بسكتة قلبية.

 

المصدر: الجزيرة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى