أخبار عربيةالأخبارالجزائر

مبادرة الرئيس الجزائري للتصالح مع المعارضة «لم الشمل» والألغاز الخمسة

قبل عشرة أيام، نشرت وكالة الأنباء الجزائرية برقية مغايرة في الشكل والمضمون لما تعودت نشره، فلم تكن تحمل خبرا ولا تحليلا ولا رأيا، بل «مخطوط مبادرة» منسوبة للرئيس عبد المجيد تبون من دون الاستناد إلى أي مصدر رسمي، عرضت على الجزائريين عنوانا براقا «لم الشمل» وتوقيتا «ستينية الاستقلال» ونداء غامضا للجميع من أجل الانخراط «إلا من أقصوا أنفسهم». هكذا ولدت المبادرة التي رغم الجهل بمحتواها وتفاصيلها، انخرط الرجل الثاني في الدولة وأحزاب الموالاة في حملة الترويج لها، تقابلهم أطراف في المعارضة تشكك في مصداقيتها ونوايا السلطة من ورائها، بينما يترقب حقوقيون ومحامون مآلها على سجناء الرأي بعيدا عن التفاصيل السياسية التي لم تعد مهمة كثيرا في نظرهم إذا قيست بمعاناة هؤلاء.

 

لغز الإعلان

 

ما الذي كان يمنع الرئيس تبون أو المحيطين به في الرئاسة من أن يخرجوا على الجزائريين بمبادرة واضحة المعالم معلومة الشروط محددة الأهداف؟ سؤال يتردد كثيرا لدى المتفاعلين مع المبادرة المعلنة بالوكالة عن الرئيس الذي يوصف بأنه أكثر الرؤساء تفاعلا مع الإعلام، فهو حريص على لقاءاته الدورية مع الصحافة المحلية حتى وإن انتقدت طريقة إخراج تلك اللقاءات التي لا تبث على المباشر، ومنفتح على الإعلام الدولي الذي يجري معه حوارات باستمرار. وفي تفسير ذلك، تطرح فرضيات أبرزها أن المبادرة لا تزال في مرحلة المخاض لدى صناع القرار، لكن لا بأس بإلقاء فكرتها في الساحة كبالون اختبار لقياس مدى تفاعل الجزائريين معها وخاصة المعنيين المفترضين من المعارضين للرئيس الحالي باختلاف مكوناتهم وحساسياتهم الفكرية والأيديولوجية. لكن الأكيد، أن دخان المبادرة المتصاعد، وراءه نار هادئة تطبخ، وإلا لما كان رئيس مجلس الأمة والرجل الثاني في الدولة بروتوكوليا صالح قوجيل قد بدأ حملة الترويج لها معطيا إياها الصبغة الرسمية، ولما كانت أحزاب الموالاة مثل جبهة التحرير الوطني والتجمع الوطني الديمقراطي وتجمع أمل الجزائر قد أيدتها، فالمنطق السياسي في الجزائر يؤكد أن هؤلاء لا يتحركون إلا بإيعاز قوي من السلطة في دعم هكذا مبادرات. لكن الإشكال في أن هذا النوع من التواصل، أعطى للمبادرة الشكل الفولكلوري القديم الذي تحاول السلطة الحالية نفسها التخلص منه، ذلك أنها تحولت في أعين الموالاة إلى وسيلة تقرب من الرئيس حتى مع جهلهم بمحتواها مع الاستغراق أحيانا في عبارات مديح مبالغ فيها كوصف مكتب مجلس الأمة للرئيس تبون بأنه «قدر الجزائر وجامع شملها» وقد تصطدم في الوقت ذاته بالرفض الآلي لجزء من المعارضة يعتبر كل ما يصدر من الرئاسة ويتوجه إليهم مناورة ينبغي الحذر منها.

 

لغز التوقيت

 

لعل من أهم شروط أي نجاح مبادرة سياسية اختيار التوقيت المناسب لطرحها. ومع أن مشروع «لم الشمل» أعلن أنه سيتزامن مع ستينية الاستقلال في شهر تموز/يوليو المقبل وهو تاريخ جامع لكل الجزائريين، إلا أن سياقها السياسي العام مختلف عليه في الجزائر، فهذه المبادرة تأتي بعد اكتمال مسار الإصلاحات السياسية التي باشرها الرئيس تبون بعد وصوله للسلطة في كانون الأول/ديسمبر 2019 مع كل ما تضمنه هذا المسار من محطات مفصلية مثل تعديل الدستور والانتخابات التشريعية، وهي كلها ورشات لم تكن محل إجماع في الطبقة السياسية التي قاطع جزء منها مشاورات تعديل الدستور واعتبروا طريقة التعديل فرضا لأمر واقع استنادا لنسبة المقاطعة الواسعة في استفتاء الدستور والتي وصلت لثلاثة أرباع الهيئة الناخبة، كما احتجت بعض أطياف المعارضة على تعديلات قانون الانتخابات وأعلنت عدم مشاركتها في الانتخابات التشريعية العام الماضي، ووجهت انتقادات لاذعة للتحول الذي عرفه تعامل السلطة مع الحراك الشعبي، عبر منع المسيرات واستمرار الملاحقة القضائية للنشطاء، وهي شروط كانت تطرحها المعارضة من قبل كبوادر تهدئة من قبل السلطة قبل بدء أي حوار جدي.

لذلك، تبدو السلطة في تحركها كما لو أنها المتحكم الوحيد في مسار الأحداث، فقد أنجزت بالطريقة التي تريدها الإصلاحات السياسية الكبرى ثم استطاعت وقف مسيرات الحراك الشعبي التي كانت بمثابة السلطة المضادة الوحيدة لها، وهي تطلق اليوم من موقع «المنتصر» مبادرة سياسية لبقية الموجودين في الساحة ممن وصفتهم وكالة الأنباء بـ«الذين يشعرون بالتهميش والإقصاء» وفق منطق «سلام الشجعان» بتعبير بعض المعارضين. لكن هناك من يرى بالمقابل، أن الرئيس تبون وهو يمضي نصف عهدته، يكون قد انتبه لخطر الانفراد بالسلطة وهو انطباع يتكرس ليس فقط لوجود توجه نحو ذلك بل لتصحر الساحة السياسية التي غاب فيها الصوت المعارض تماما وتحول فيها الخطاب الرسمي إلى محرك وحيد للأحداث يصنع الفعل وأحيانا رد الفعل أيضا، ناهيك عن الاحتقان المتراكم بفعل عدم طي ملفات ساخنة مثل سجناء الرأي والأوضاع الإقليمية الملتهبة على حدود البلاد، وهو ما لا يسمح بتهيئة الأجواء لنهاية عهدة هادئة للرئيس قد تكون مقدمة لإعلان ترشحه لولاية ثانية.

 

لغز المعنيين

 

أهم ما هو منتظر الكشف عنه، هم المقصودون بـ«لم الشمل» و«المقصون منه». وحول هؤلاء، تتضارب الأقاويل، فهناك من يعتقد أن المعنيين هم حصرا معارضو الخارج الذين ترى السلطة أنهم يشنون عليها حربا دعائية تستقطب الكثيرين عبر مواقع التواصل، بحيث يتم السماح لهم بدخول الجزائر في إطار هذه المبادرة مقابل الكف عن مهاجمة مؤسسات الدولة الجزائرية. وقد نشر بعض المعارضين نموذجا للتعهد الذي يجب التوقيع عليه في السفارات الجزائرية لقاء الاستفادة من تدابير «لم الشمل». وهناك من يأمل في أن تشمل المبادرة السجناء المتابعين في قضايا الحراك والرأي، وهؤلاء تقدر أوساط حقوقية جزائرية عددهم بنحو 300 شخص، وهم متابعون بتهم تتعلق بالمساس بالوحدة الوطنية والإضرار بالمصلحة الوطنية أو المساس بمعنويات الجيش وإهانة رئيس الجمهورية أو إهانة هيئة نظامية وتتعدى التهم لأخطر من ذلك للمعتقلين في الفترة الثانية من الحراك الشعبي الذين وجهت لهم تهم الانضمام لتنظيمات إرهابية أو الإشادة بالإرهاب بسبب ما تقوله التحقيقات إنها صلات بينهم وبين تنظيمات في الخارج مصنفة في الجزائر على لائحة الإرهاب مثل تنظيم رشاد ذي التوجه الإسلامي أو تنظيم «ماك» وهو حركة تدعو لانفصال منطقة القبائل عن الجزائر. لكن ما يثير الجدل أكثر، هي الفئة الثالثة التي يوجد من يتوقع أن تكون ضمن المشروع، وهم كبار مسؤولي فترة الرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة ورجال الأعمال الذين تغولوا في مرحلته، وهم موجودون اليوم في السجن بأحكام ثقيلة في قضايا فساد. وترافع بعض الأحزاب مثل جبهة المستقبل، من أجل مصالحة مالية مع هؤلاء، بحيث يدفعون للخزينة الأموال المخزنة والمهربة لقاء حصولهم على حريتهم، لكن هذا الاقتراح يبقى بعيدا عن الإجماع في الشارع الجزائري بالنظر لحجم الفساد الذي استشرى في الفترة السابقة، ناهيك عن أنه سيكون مغامرة غير محسوبة العواقب بالنسبة للرئيس تبون الذي بنى خطابه على فكرة محاربة ما تسمى «العصابة» سواء عندما كان وزيرا أول في 2017 واطيح به أو عندما أصبح رئيسا.

كيف سيكون شكل مبادرة «لم الشمل»؟ هل سترتدي لباسا قانونيا مثل مشاريع المصالحة الوطنية وقانون الوئام المدني زمن الرئيس الراحل؟ من الواضح أن ثمة تشابها في السياقات حتى وإن اختلفت الظروف والمعطيات والوقائع. ففي بداية عهدته الأولى سنة 1999 سعى الرئيس عبد العزيز بوتفليقة إلى وقف نزيف الدماء في البلاد مصدرا مشروع الوئام المدني الذي نزل بموجبه آلاف المسلحين من الجيش الإسلامي للإنقاذ وهو تنظيم مسلح خرج من رحم الجبهة الإسلامية للإنقاذ التي فازت بالمرحلة الأولى من الانتخابات التشريعية لسنة 1991 قبل أن يتم وقف المسار الانتخابي. لكن كثيرا من القراءات رأت في طرحه مشروع الوئام المدني للاستفتاء مناورة سياسية لاكتسابه شرعية شعبية جديدة بعد الانتخابات الرئاسية التي انسحب فيها منافسوه الستة مشككين في طريقة انتخابه. وهنا، بات يطرح نفس السؤال إن كان الرئيس عبد المجيد تبون مستعدا لأن ينظم استفتاء يعطي من خلاله صبغة عامة لمبادرة «لم الشمل» وشرعية شعبية جديدة له، كنوع من الرد على من يطعنون في طريقة تنظيم الانتخابات التي أوصلته للحكم والتي كانت في خضم حراك شعبي رافض لتنظيم انتخابات بدون ضمانات قوية بنزاهتها عبر تنحي رئيس الحكومة إذاك نور الدين بدوي ورئيس الدولة عبد القادر بن صالح. لكن طرح الاستفتاء، على ضوء حسابات السلطة، سيكون أيضا محفوفا بالمخاطر في حال لم يقتنع الجزائريون بالذهاب للصندوق، ما سيحول المكسب المتوقع إلى خسارة سياسية قد لا تخدم الرئيس في بقية مشواره.

 

لغز النتيجة

 

لا يوجد لحد الآن ما يوحي أن الأطراف المستهدفة بالمبادرة مستعدة للتنازل عن مواقفها المسبقة إزاء الرئيس ونظام الحكم عموما في الجزائر، إلا أن السياسة تبقى في تعريفها فن الممكن. فرؤوس تنظيم ماك ورشاد يبدو أنهم رافضون للمبادرة وفق ما يبدونه من آراء على مواقعهم. أما معارضة الداخل الرافضة للمسار الانتخابي بعد الحراك الشعبي، فلم تظهر لحد الآن موقفا موحدا، لكن بعض أطرافها الأساسية مثل التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية قد «اعتبرت أنه لا مصداقية لسلطة تفننت في بث التفرقة وتشتيت الجزائريين للم شملهم». لذلك، يبقى هامش المناورة الأكبر للسلطة هو ملف سجناء الرأي الذي يمكن علاجه نهائيا بإطلاق سراحهم ووقف متابعتهم وكذلك تحسين المناخ الحقوقي العام وفتح وسائل الإعلام على الآراء المعارضة، وهو جوهر ما ذهب إليه عبد العزيز رحابي الدبلوماسي السابق والسياسي الذي يمثل جانبا من المعارضة الموصوفة بالمعتدلة والمتجاوبة مع السلطة، والذي طرح من جانب آخر في تعليقه على المبادرة، مخاوف من ظهور مقاومة من المنتفعين من وضع الاحتباس الحالي داخل السلطة، قد تعرقل مشروع الرئيس، وذلك حسبه أمر غير مستبعد. أما المخاوف الأخرى الموجودة، فمبعثها لغة الخطاب «الشمولية» المستعملة لدى أنصار الرئيس والتي تتحدث عن «طي الخلافات السياسية» و«التوحد وراء الرئيس» وغيرها من المصطلحات التي توحي في ظاهرها برغبة في إنكار الخلاف السياسي وتجاوز الأحزاب ودفعها للذوبان في مشروع الرئيس، بدل إيجاد الطرق لإدارة هذا الاختلاف عبر الطرق الديمقراطية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى