أخبار عربيةالأخبارسوريا

ثلاثة تأثيرات محتملة بسوريا لصالح تركيا

تعد سوريا إحدى المناطق التي تتأثر بالحرب الروسية على أوكرانيا وسط تساءلات حول السيناريوهات المستقبلية المحتملة، والتنازلات التي قد تقدمها موسكو لتركيا، والموقف الغربي لاتخاذ إجراءات وانتهاز الفرصة في سوريا في ظل الانشغال الروسي بالميدان الأوكراني.

 

وعلى الرغم من أن المعارضة السورية تستخدم الحرب الأوكرانية لانتقاد روسيا، وإجبار الدول الغربية على اتخاذ إجراءات في سوريا، فيبدو أن الغربيين ليست لديهم مقاربة حقيقية تجاه سوريا حتى الآن.

 

وتناقش مجلة “كريتر” التركية في تقريرها الشهري دراسة آثار الحرب الأوكرانية-الروسية على الميدان السوري، والسيناريوهات المستقبلية المحتملة تحت ثلاثة عناوين والتي تأتي لصالح تركيا.

 

وتكبدت روسيا خسائر فادحة بفعل المقاومة الأوكرانية التي فاقت التوقعات، وساهم ذلك في مناقشة العمليات العسكرية الروسية. وأدى التفاقم المتزايد للعقوبات الغربية ضد الغزو الروسي إلى جر روسيا إلى مساحة محدودة للغاية للمناورة، وسط نقاشات حول ما إذا كان الغرب سيتجاوز العقوبات والمساعدات العسكرية لأوكرانيا في كبح جماح روسيا، ورغم أنه -لا سيما الولايات المتحدة- يحاول إبقاء التوترات مع موسكو عند مستوى معين فإن من المحتمل أن يكون للصراع مع روسيا تداعيات على مناطق أخرى، وسوريا إحدى هذه المناطق.

 

التأثيرات العسكرية

 

ولوحظ أنه بعد محاولة الغزو التي شنتها روسيا ضد أوكرانيا، كان الأمر صعبا للغاية في ساحة المعركة، وبعد نقطة معينة كانت القوات الروسية غير قادرة على إحراز تقدم عسكري. والمقاومة التي أبداها الجييش الأوكراني بما يفوق التوقعات، ودور “بيرقدار” في استهداف خطوط الإمداد الروسية والأسلحة المضادة للدبابات ونظام الدفاع الجوي المرسل لأوكرانيا، وعدم قدرة روسيا على اكتساب التفوق المطلق في المجال الجوي، كلها كانت عوامل كبحت جماح روسيا.

 

كما أن مشاكل القيادة والسيطرة التي يعاني منها الجيش الروسي، وأوجه القصور التي وقع فيها من حيث العدة والعتاد، وخسائره الفادحة، والتي تم تأكيدها أيضا بصريا، تعني أيضا فقدان الردع العسكري. ونتيجة لذلك فقد اضطرت روسيا إلى التراجع وخاصة من جبهتي كييف وتشيرنيهيف، بالنظر إلى الخريطة، ويبدو أنها لا تزال بعيدة عن التأثير العسكري المخطط أو المتوقع.

 

من وجهة النظر هذه، يمكن القول إن وضع الجيش الروسي قد يكون له آثار على الميدان السوري أيضا. ويعتقد أن القبض على طيار كان يعمل في سوريا من طائرة حربية عسكرية روسية أسقطتها أوكرانيا قد يشكل مثالا على هذا الوضع، ويعتقد أن روسيا أرسلت طاقمها العسكري وموظفيها الميدانيين، وخاصة الطيارين الأكثر خبرة، من سوريا إلى أوكرانيا.

 

ويشير الموقف إلى احتمال أن تواجه روسيا مشاكل في المجال السوري، خاصة على مستوى القوات الجوية. بالإضافة إلى ذلك، فإن من المعروف أن شركات المرتزقة التابعة لروسيا تم إحضارها أيضا إلى أوكرانيا، وهذا سيؤثر على النشاط الميداني الروسي في سوريا، وقد شوهدت دبابات كانت في سوريا الآن بأوكرانيا.

 

كما أن فقدان روسيا المئات من المركبات العسكرية والمعدات والمروحيات والمقاتلات خلال الغزو الروسي لأوكرانيا، سيسهم في تقييد المساعدات العسكرية المحتملة للنظام السوري.

 

كما أن إغلاق تركيا المجال الجوي أمام الطائرات العسكرية الروسية المتجهة إلى سوريا حتى المدنية منها، وإغلاق المضائق قد يعقد كله من الشحنات المحتملة.

 

وخلال هجمات النظام على إدلب، وعملية “درع الربيع” التي شنتها القوات التركية، فقد دمرت تركيا عددا كبيرا من المعدات العسكرية التابعة للنظام السوري، في الوقت الذي استخدمت فيه روسيا المضائق وطائرات الشحن لدعم النظام بالمعدات.

 

كما أن الدور الذي أبدته الطائرات المسيرة “بيرقدار تي بي2” في أوكرانيا، أعطى دفعا معنويا لصالح تركيا لا سيما في إدلب، كما أن سلسلة الإنتاج الدفاعي من بيرقدار “تي بي3″، و”أكينجي أ وب” ومنظومة “حصار” للدفاع الجوي تمنح تركيا قوة عسكريا في سوريا ضد روسيا.

 

وحتى قبل عامين، فإنه نتيجة لعمليات “المسيرات” التركية الناجحة، تم إيقاف الهجمات الروسية على إدلب مع إلحاق خسائر فاحة للنظام السوري، وفي المرحلة التي وصلت إليها اليوم، فيعتبر أن تركيا لديها إمكانية القدرة على تغيير الوضع الراهن لصالحها ليس فقط في إدلب بل في المجال السوري بعمومه.

 

التأثيرات الاقتصادية

 

بسبب العقوبات الشديدة التي تلحق بروسيا من الولايات المتحدة والعالم الغربي، يتأثر النظام السوري أيضا بهذا الوضع، وقد تتوقف المساعدة من روسيا.

 

ومع سيناريو إعادة إدراج إيران في سوق النفط العالمية بدلاً من روسيا، قد ينعكس التنافس بين روسيا وإيران أيضا في المجال السوري.

 

وانخفضت قيمة الليرة السورية بنحو 10 بالمئة منذ بداية الحرب الروسية على أوكرانية والتي جاءت في الوقت الذي يسعى فيه النظام فيه لـ”البقاء”.

 

وعندما نأخذ بعين الاعتبار احتمال نقل الولايات المتحدة والغرب صراعهم مع روسيا إلى ساحات منافسة أخرى، فيمكن أن تكون تغريدة السفارة الأمريكية في سوريا بداية آذار/ مارس الماضي مستهدفة النظام السوري والتي جاء فيها “حان وقت الحساب”، إشارة إلى احتمال أن يتم فرض عقوبات إضافية على عقوبات قيصر ضد النظام السوري.

 

بالإضافة إلى ذلك، فإن قيام الولايات المتحدة بإبعاد مناطق وحدات حماية الشعب الكردية، والحكومة السورية المؤقتة عن العقوبات المفروضة على سوريا، يمنح هذه المناطق أكثر قوة من ناحية اقتصادية من المناطق الخاضعة للنظام السوري، ما يجعلها مراكزااقتصادية جديدة في سوريا على المدى المتوسط والطويل.

 

وتستمر الصعوبات الاقتصادية التي يواجهها النظام، مع الدمار الهائل للبنية التحتية، والتقنيات القديمة في إجبار الشعب السوري على الهجرة رغم خفض بيئة الصراع في سوريا، وباتت المناطق الخاضعة للمعارضة السورية تشهد هجرة داخلية، ومع الاستثمارات في البنية التحتية التي تتم بدعم من تركيا أصبحت تلك المناطق محور جذب متزايد.

 

التأثير السياسي

 

لفترة طويلة، كانت هناك معادلة سياسية ثلاثية الأطراف في سوريا، ويمكن القول إنه بالإضافة إلى روسيا وتركيا فإن للولايات المتحدة وبالتالي الغرب، وجهات نظر مختلفة.

 

وبعد عملية درع الربيع في عام 2020، يبدو أن الهدوء على الأرض أدى إلى تجميد المبادرات السياسية. ولم يتم إحراز أي تقدم في أي مجال، بما في ذلك المفاوضات الدستورية.

 

ومع أن الوضع الراهن في المجال السوري هو لصالح روسيا وإيران، وتزايد المشاعر المعادية لروسيا في العالم الغربي، يبدو أنه لا يوجد تغيير في المجال السوري، ورغم أن الدبلوماسيين الغربيين زادوا من وتيرة اجتماعاتهم مع المعارضة السورية، إلا أنهم لم يتخذوا أي خطوات ملموسة.

 

من ناحية أخرى، يدعي بعض الخبراء الغربيين أنه يمكن اتخاذ خطوات استراتيجية من خلال إظهار مثال على زيادة أنشطة المساعدات الإنسانية في سوريا.

 

كشفت محاولة الغزو الروسي لأوكرانيا أن الدول الغربية ليست على استعداد لاتخاذ خطوات تجاه مناطق نفوذ روسيا، ومن المفهوم أنها عادت إلى مواقفها المناهضة لتركيا في سوريا مع تهدئة الحرب الروسية الأوكرانية.

 

وفي بيان على حساب “تويتر” للسفارة الأمريكية في سوريا، تم تجاهل أنشطة وحدات حماية الشعب الكردية، معربا عن قلقه بشأن عمليات تركيا ضد العناصر الكردية المسلحة في عين العرب.

 

بالنظر إلى كل هذه التطورات وموقف تركيا الدبلوماسي في الحرب الروسية الأوكرانية، قد يعتقد أن روسيا قد تقدم بعض التنازلات لتركيا في سوريا من أجل تحقيق التوازن بين الحرب الطويلة الأمد على الجانب الأوكراني، وموقف تركيا الحالي لصالح روسيا.

 

وبالنظر إلى مسار الحرب الروسية الأوكرانية، وموقف الغرب وأولويات الأمن القومي التركي، فقد تحتاج تركيا إلى اتخاذ خطوات لايصال الملف السوري إلى نقطة معينة لصالحها، ومن مواجهة منظمة حزب العمال الكردستاني إلى مشكلة المهاجرين، سيظل تحقيق الاستقرار في سوريا أحد أولويات تركيا، وكذلك أحد أهم أجندات السياسة الخارجية التركية على المدى القصير والمتوسط.

زر الذهاب إلى الأعلى