أخبار عالميةالأخبار

كغيرهم في التاريخ.. المتطوعون الأجانب في أوكرانيا يُقتلون ولا ينجزون شيئا

نشرت صحيفة “واشنطن بوست” تقريرا لمراسلها غوردون ساندر، قال فيه إن آلافا من المقاتلين الأجانب يقاتلون دعما لأوكرانيا، لكن التاريخ يقترح أن الأمور قد تسوء أكثر، واستشهد فيه بقصيدة “جزر اليونان” التي كتبها عام 1819 لورد بايرون “الجبال تبدو مثل ماراثون، والماراثون يبدو مثل البحر”، و”تأملت مدة ساعة وحلمت أن اليونان ستظل حرة”. وبعد أربعة أعوام، عندما ثار اليونانيون ضد الحكم العثماني، وضع بايرون ثقله وسمعته وثروته وحياته من أجل تحرير اليونان.

 

ويمكن أن تتحول كلمات بايرون المشحونة كعقيدة قتالية لأكثر من 22.000 متطوع أجنبي من حول العالم استجابوا لدعوة الحكومة في كييف وسافروا إلى أوكرانيا لمقاومة الغزو الروسي. وتقول الصحيفة إن حكومات الغرب باتت اليوم أكثر نقدا لهذه الجهود كأعمال بطولية أكثر من زمن بايرون، عندما حاولت السلطات البريطانية فهم السبب الذي دعا الشاعر الذي غادر بريطانيا وسط سحابة من الفضائح والديون وحمل السلاح. وتحاول الحكومتان الأمريكية والبريطانية تقديم النصح لمواطنيهما وبشكل واضح بعدم السفر إلى أوكرانيا والانضمام لفيلق الدفاع الدولي عن أوكرانيا، كما تسمي حكومة كييف المتطوعين.

 

وسمحت دول أخرى وحكومات لمواطنيها بالقتال مثل لاتفيا التي صوت برلمانها بالإجماع وسمح للمواطنين بالتطوع بعد فترة قصيرة من الغزو الروسي، وبحسب وزارة الدفاع اللاتفية فقد تطوع سبعة لاتفيين حتى الآن.

 

وتعلق الصحيفة أن هناك عدة أسباب تدعو لشك الحكومات في مشاركة مواطنيها بالنزاعات والتي تتعاطف معها ولكنها تتخذ موقفا محايدا، ولسبب واحد، أن هؤلاء المتطوعين المثاليين يقتلون في النهاية. وهذا هو بالأساس ما حدث للمتطوعين في الكتيبة الدولية أثناء الحرب الأهلية الإسبانية. وكانت الفرقة وهي فكرة من ستالين بداية لوحدات عسكرية أنشأتها الشيوعية الدولية من أجل مساعدة الجبهة اليسارية الشعبية للجمهورية الثانية والتي كانت تقاتل ضد القوات القومية بقيادة فرنسيسكو فرانكو. وخلدها الروائي الأمريكي إرنيست هيمنغواي في رواية “لمن تقرع الأجراس” وكانت الكتائب أكبر التشكيلات العسكرية في التاريخ. وتطوع فيها حوالي ما بين 32.000- 35.000 رجل وامرأة من 50 دولة وأكثر، بما فيها الولايات المتحدة، الذين تطوعوا تحت علم الجمهورية خلال الحرب التي استمرت العامين في جيشها البدائي الذي شكل ما بين 1936- 1938.

 

ولكن سجل الكتائب لم يكن بعيدا عن الكارثة. فقد عانوا من التدريب ونقص المعدات والقيادة العاجزة وقتل حوالي 15.000 متطوع، أي نصف القوة تقريبا. ربعهم، حوالي 3.000 متطوع في الفرقة الأمريكية، أبراهام لينكولن، التي عانت من أسوأ الخسائر في نيسان/إبريل 1937 عندما أمرت بمهاجمة مقر للفاشية في مدريد بدون أي غطاء مدفعي. ووصفت صحيفة “نيويورك تايمز” ما حدث في تقرير كتبه هيربرت ماثيوز “انطلق الرجال تحت وابل من الرشاشات ولكنهم استمروا بتقدمهم”. وعندما انتهت المعركة كانت التلة تحت سيطرة المتمردين/ القوميين ولم يتبق من المتطوعين الأمريكيين الـ 400 سوى 108 رجال. وقال ماثيوز: الأمريكيون متحمسون جدا لكنهم جنود بدائيون.

 

وفي نهاية عام 1938 تم حل قوة المتطوعين كجزء من محاولة لم يتم التفكير بها جيدا ولإقناع داعمي فرانكو الألمان والإيطاليين لسحب قواتهم والدول الغربية الديمقراطية التي ظلت محايدة لأن ترفع الحظر عن تصدير السلاح للجمهوريين. ولم يحدث هذا، ففي عام 1939 سقطت عاصمة الجمهوريين برشلونة في يد فرانكو وبعد ذلك انهارت كل الجمهورية. ولكن أسطورة الفرقة الدولية بدأت بعد انهيار الجمهورية، وظلت حتى يومنا هذا، وهو ما يفسر قرار وزارة الدفاع الأوكرانية استعارة اسم الفيلق الدولي من تلك التجربة. وغطت شهرتها على ما قدمه المتطوعون من إنجازات على أرض الواقع. وهذا هو الحال مع معظم المتطوعين الأجانب في بداية القرن العشرين. فإسكارديل لافاييت التي حملت اسم ماركيز دي لافاييت البطل الفرنسي في الثورة الأمريكية، قاتلت في الحرب العالمية الأولى، وشكلت عام 1916 حيث حاولت دفع أمريكا للتخلي عن حياديتها والانضمام إلى دول الحلفاء. وقرر 38 طيارا أمريكيا ركوب طائرات نيبورت وسباد وأخذوا في مواجهة الطائرات الألمانية. وفي النهاية مات معظمهم. ويمكن وصف مشاركة فرقة إسكارديل بأنها متواضعة. وخلال نشاطها الذي استمر 22 شهرا من نشرها أسقطت 33 طائرة معادية أي بواقع طيارة لكل طيار. ونصف الطائرات المحطمة نسبت إلى بطلها راؤول لافبيري.

 

لكن سمعتها استمرت وفي العشرينات من القرن الماضي كان الرجال في سن معين يزعمون أنهم طاروا مع فرقة لافاييت إسكارديل. وبحلول عام 1931 زعم أكثر من 4.000 شخص أنهم طاروا في سرب الفرقة المشهورة، وذلك حسب كتاب “لافاييت إسكارديل” الذي نشر عام 1964 لهيربرت مولي ميسون، وهو ابن طيار في الحرب العظمى. وخلدت هوليوود ذكرى الفرقة في عدد من الأفلام منها فيلم “الأولاد الطيارون” عام 2006 ومثل فيه جيمس فرانكو.

 

وبالمقارنة تم تجاهل مشاركة معظم الفرق الفاعلة في الحرب الأهلية الإسبانية. ونفس الأمر كان مع مجموعة المتطوعين الأمريكيين الأولى التي شكلت بموافقة من فرانكلين رزوفلت لمساعدة الحكومة الوطنية في الصين ضد اليابان في نهاية عام 1941 وبداية 1942 وقبل دخول الولايات المتحدة الحرب العالمية الثانية. وعرفت المجموعة بالنمور الطائرة، وكان عدد المتطوعين فيها 100 وتكونت من ثلاثة أسراب بي-40 كيرتيس وورهوك طليت مقدمتها بتوقيع الفرقة المزيف وجه القرش.

 

وعندما ضربت اليابان بيرل هاربر ودخلت أمريكا الحرب كانت فرقة النمر في الصين. وتبنت الفرقة شعار قائدها كلير تشينولت حيث طلب من الطيارين التحليق والمرور من جانب العدو وضربه بدلا من الدخول في مواجهة وجها لوجه، ولهذا سيطرت على الأجواء فوق الصين وميانمار. واستطاع الطيارون الذين تم دمجهم لاحقا في الفرقة الجوية 14 من سلاح الجو الأمريكي إسقاط 296 مقاتلة للعدو وخسروا 14 طيارا فقط، بشكل جعلهم أنجح فرقة جوية عسكرية في التاريخ ولكن من يتذكر اليوم “النمر الطائر”. وتم نسيان جهود فرقة أخرى ناجحة لها علاقة بالحرب الحالية، وهي حملة آلاف من السويديين في حرب ما بين 1939- 1940 المعروفة بالحرب السوفييتية – الفنلندية أو حرب الشتاء.

 

وبعد غزو الاتحاد السوفييتي فنلندا تدفق أكثر من 12.000 متطوع من حول العالم للدفاع عن الشعب المحاصر، ومثل هذا تدفق نحو أوكرانيا اليوم. ووصل 350 متطوعا أمريكيا في الأيام الأخيرة من الحرب لكن حوالي 9.000 متطوع جاءوا من السويد. وشكل المتطوعون السويديون فرقتهم الجوية الخاصة في سلاح الجو الفنلندي حيث حمى طياروها الأجواء فوق لابلاند وسالا. وقتل عشرات المتطوعين السويديين في آذار/مارس 1940 عندما قصف السوفييت وحداتهم والنرويجيين قرب سالا وسط فنلندا.

 

وقال فردريك لوغفال، السويدي الأصل الذي يحاضر في جامعة هارفارد: عدد السويديين تفوق على الدول الأخرى وأرسل السويديون مساعدات عسكرية مهمة وإنسانية ومالية” و”في النهاية تفوق الدعم السويدي على أي دعم من دولة أخرى.

 

وفي النهاية كان أهم متطوع في تاريخ الحروب هو بايرون نفسه، مع أنه لم يشاهد معارك. فقد وصل الشاعر الإنكليزي البالغ من العمر 35 عاما إلى ميسولونغي باليونان في كانون الثاني/يناير 1824 واستقبله المتمردون بحفاوة، وقضى وقته يحاول التوفيق بين المتمردين المتخاصمين، لكن موته كان بطوليا، ففي الليلة التي كان من المفترض دخوله المعركة بعد شهر من وصوله، خرج الشاعر المعروف راكبا فرسه للهجوم على موقع تركي في ليباتو ثم خر مريضا، ولم يساعده أطباؤه الذين حاولوا استخدام “النزيف العلاجي”، وبعد شهرين مات الثوري الطامح. وصدمت وفاته السلطات البريطانية، وكان سببا في دخول بريطانيا وفرنسا في الحرب ضد الأتراك. ودمروا الأسطول التركي في نافارينو.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى