أخبار عربيةالأخبارتونس

قرية تونسية كل سكانها من الصم وبكم ويتحدثون بلغة الإشارة

على بعد أكثر من 100 كلم عن العاصمة تونس تحديدا في منطقة الهوارية المعروفة بمناظرها الطبيعية الخلابة التي تجمع الجبل بالبحر والغابة، تقع قرية برج الصالحي أو قرية الصمت -كما يحلو للكثيرين تسميتها- لأن أغلب سكانها من الصم والبكم وقد ابتكروا لغة إشارة خاصة بهم.

 

حال دخولك المكان تحس بنوع من الألفة رغم الصمت المحدق إلا من صوت الموج أو أصوات النوارس ونواعير الهواء المحيطة بها التي لا تتوقف عن العمل مثل سكان القرية تماما، والفرق الوحيد هو أنها تصدر صوتا بينما يعملون هم في صمت، فهي قرية ساحلية يعتمد أغلب سكانها على صيد الأسماك مورد رزق أساسيا.

 

البحر ملاذهم الوحيد

 

يتجول مولدي صالحي وصديقه بين شباك وزوارق الصيد، يفحصان المعدات قبل الإبحار الذي دأبا عليه منذ سنوات، فقريتهما الصغيرة لا تتوفر فيها أدنى مرافق العيش، يقول صالحي بلغة الإشارة “أنا من عائلة تضم 7 أفراد جميعهم صم وبكم، تعلمت النجارة وعدة مهن أخرى لكنني لم أجد عملا والتجأت للصيد لكي أوفر قوت عائلتي، فأنا متزوج ولدي طفلة”.

 

يعمل أغلب سكان القرية في صيد الأسماك بمعدات بسيطة من صنع أيديهم، يقولون إن مهنة الصيد لا تكاد تسد رمقهم، إلا أن الخيارات بالنسبة لهم محدودة، فلا مصانع ولا شركات ولا مرافق ولا حتى خدمات.

 

ويروي مولدي كيف تعلم النجارة لكنه عانى من البطالة طويلا، إذ لم يشغله أحد لأنه أبكم، لكن اليأس لم يعرف إلى قلبه طريقا، وحلم بتكوين أسرة، فتعرف على فتاة من قريته، يقول إنه انتظر 3 سنوات كي يستطيع بناء منزل ويتزوجها، وهو سعيد معها ومع طفلته الصغيرة التي قال إن سبب عمله المتواصل في البحر توفير الحليب والملابس لها.

 

قسوة الجغرافيا وظلم التاريخ

 

يتذمر مولدي وأصدقاؤه الصم والبكم من ظلم السلطات المتعاقبة لهم بعدم تشغيلهم رغم تكوينهم في مجالات عدة، ويقولون إنهم معزولون بين البحر والجبال، ولا من مجيب لمطالبهم المتكررة بتحسين ظروف عيشهم.

 

يعبّر نعيم الصالحي، وهو ناشط في المجتمع المدني، عن معاناة سكان قريته على لسانهم بحسرة قائلا “لقد ظلمتنا الجغرافيا والتاريخ معا.. فقريتنا معزولة بين البحر والجبال ولم يلتفت لنا أحد رغم تعاقب الحكومات.. السكان هنا يعيشون الخصاصة (العوز) والحرمان من أبسط الحقوق، علما أن أغلب العائلات لديها أفراد يحملون إعاقة إن لم نقل عائلة بأكملها من الصم والبكم”.

 

ويرفض السكان مغادرة قريتهم الصغيرة التي ألفوها، فهم يعيشون كعائلة واحدة حتى إن لغة الإشارة التي ابتكروها خاصة بهم، ولا يمكن لأحد من خارج القرية فهمها أو فك شفراتها، يقول نعيم “ابتكرنا لغة خاصة بنا ولدينا كفاءات عدة في جميع المجالات لكن شبابنا مهمش ويعاني من البطالة”.

 

سر فقدان السمع والنطق

 

ويعود انتشار فقدان حاستي السمع والنطق في قرية برج الصالحي إلى زواج الأقارب الذي عمد إليه السكان هنا منذ سنين، حسب الناشط في المجتمع المدني عمر الصالحي الذي قال إنهم قلصوا منه في السنوات الأخيرة للحد من ولادة أطفال صم بكم أو يحملون تشوهات خلقية.

 

ولم يستسلم سكان برج الصالحي للظروف القاسية، فهم كصخر قريتهم أو أشد صلابة أمام قسوة الظروف الصحية والاقتصادية الصعبة التي يعيشونها منذ عقود، لكنهم يناشدون السلطات المعنية الالتفات للعائلات محدودة الدخل وتشغيل العاطلين عن العمل وتوفير أبسط مرافق العيش في القرية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى