أخبار عربيةالأخبارالجزائر

مؤرخان جزائريان: تقرير ستورا خدمة انتخابية لإيمانويل ماكرون

اعتبر مؤرخان جزائريان أن تقرير الفرنسي بنجامين ستورا، الذي نشرته الرئاسة في باريس مؤخرا حول حقبة استعمار الجزائر، يمثل موقف اليمين المتطرف، وأنه بمثابة حملة مسبقة للرئيس إيمانويل ماكرون في الانتخابات المقبلة.

 

ووفق المؤرخين عامر رخيلة ومحمد قورصو، فإن ماكرون يستهدف بالتقرير الجزائريين الذين عملوا مع الاستعمار ورحلوا معه بعد الاستقلال (1830 ـ 1962، يعرفون باسم الحركى) ويقدر عددهم الآن مع عائلاتهم بمئات الآلاف، لكسب أصواتهم في الانتخابات الرئاسية المقررة أبريل/ نيسان 2022.

 

وفي 20 يناير/ كانون الثاني الماضي، سلّم ستورا للرئيس الفرنسي تقريره حول الاستعمار وحرب الجزائر (1954 ـ 1962)، تضمن مقترحات لإخراج العلاقة بين البلدين من حالة الشلل التي تسببت بها قضايا ذاكرة الاستعمار العالقة بينهما.

 

تقرير ستورا

 

وأوصى ستورا في تقريره المكون من 150 صحيفة، بأن يتمكن الجزائريون الذين قاتلوا إلى جانب فرنسا خلال حرب الاستقلال الجزائرية من التنقل بسهولة بين البلدين.

 

كما أوصى بتشكيل لجنة تسمى “الذاكرة والحقيقة”، وتوثيق شهادات الناجين من حرب الاستقلال وضرورة زيادة التعاون بين فرنسا والجزائر.

 

واقترح التقرير إنشاء أرشيف مشترك بين البلدين، مشددا على ضرورة تقديم منح دراسية للطلاب الجزائريين لإجراء دراسات في الأرشيف الفرنسي، على أن يتم الشيء نفسه أيضا لنظرائهم الفرنسيين.

 

وأوصى كذلك، بتنظيم أنشطة تذكارية بشأن حرب الاستقلال الجزائرية، وأن يتم إعلان 25 سبتمبر/ أيلول يوما لإحياء ذكرى “الحركى”، و17 أكتوبر/ تشرين الأول لذكرى “مذبحة باريس 1961″، و19 مارس/ آذار لإحياء ذكرى نهاية الحرب.

 

ومجزرة باريس وقعت في 17 أكتوبر 1961، عندما هاجمت قوات الشرطة مظاهرة سلمية مكونة من 65 ألف جزائري، وأقرت الحكومة الفرنسية في 1998 بوفاة 40 شخصا، رغم أن هناك تقديرات تفيد بمقتل 300.

 

وفي يوليو/ تموز الماضي، كلف ماكرون، ستورا، أحد أبرز الخبراء المتخصصين بتاريخ الجزائر الحديث، “بإعداد تقرير دقيق ومنصف عما أنجزته فرنسا حول ذاكرة الاستعمار وحرب الجزائر” التي وضعت أوزارها عام 1962، وما زالت حلقة مؤلمة في ذاكرة عائلات الملايين من الفرنسيين والجزائريين.

 

وسابقا، اتفق ماكرون مع الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، على تعيين مؤرخين اثنين يمثلانهما لبحث ملف الذاكرة، إذ عُين عن الجانب الفرنسي ستورا، وعن الجزائري عبد المجيد شيخي.

 

موقف الجزائر

 

وصف وزير الإعلام الجزائري عمار بلحيمر‎، تقرير ستورا بأنه ليس موضوعيا لأنه يساوي بين الضحية والجلاد، وينكر مجمل الحقائق التاريخية.

 

وقال بلحيمر في حوار مع موقع “الجزائر الآن” في 16 فبراير/ شباط الجاري، إن التقرير يتجاهل المطالب المشروعة للجزائر، وفي مقدمتها اعتراف فرنسا رسميا بجرائم الحرب وجرائم ضد الإنسانية، التي اقترفتها خلال احتلالها للجزائر لمدة قرن و32 سنة.

 

فيما قال بلعربي كمال، النائب بالمجلس الشعبي الوطني (الغرفة الأولى للبرلمان)، في تصريحات سابقة، إنه ومجموعة من النواب أطلقوا في 28 يناير 2021، حملة شعبية لجمع التوقيعات لمطالبة البرلمان بغرفتيه بسنّ قانون يجرّم أفعال فرنسا الاستعمارية.

 

وأوضح البرلماني الجزائري، أن مسألة اعتراف فرنسا بجرائمها شأنها، وما يعنينا هو استرجاع حقوق الجزائريين التي ضاعت مثل الأرشيف والتعويضات المادية.

 

في ظل حالة الغضب التي خلّفها التقرير بالجزائر، عقب صدوره، نقلت وسائل إعلام فرنسية عن الرئاسة في باريس، قولها إنّ هذا التقرير لا يعني وجود خطوة نحو الاعتذار للجزائر.

 

حملة انتخابية مسبقة لماكرون

 

ويقول المؤرخ رخيلة: تقرير ستورا ظهر أنه يمثل موقف الحكومة الفرنسية.

 

ويضيف: النقاط التي جاءت في التقرير معظمها لا يتصل بالملفات التي تشغل بال الجزائريين، وتتصل بمخلفات الحرب من طرف فرنسا في الجزائر.

 

يذكر أن القضايا التي تشغل شرائح واسعة من الفرنسيين ملفات الحركى والأقدام السوداء (المستوطنون الأوروبيون الذين سكنوا أو ولدوا في الجزائر إبان الاستعمار) وبعض المصالح الاقتصادية والسياسية.

 

ووفق رخيلة، فإن مسألة التاريخ والعلاقات الفرنسية الجزائرية مرهونة دائما بمواعيد سياسية في فرنسا، وتستغل لطرح إشارات بأن هناك إرادة من باريس لإيجاد مخارج لمطالب الجزائر.

 

ويلفت إلى أن هناك قوى في فرنسا تطالب بإلحاح، بتعويضها عن الأملاك التي استحوذ عليها الفرنسيون في الجزائر خلال فترة الاحتلال.

 

ويرى أن وراء التقرير وزمن صدوره وكيفية طرحه أهدافا معينة أبرزها التحضير لحملة انتخابية مسبقة لماكرون وحزب اليمين في فرنسا.

 

ويوضح أن فرنسا مقبلة على انتخابات رئاسية 2022، لذلك يعمل اليمين وتحديدا أنصار ماكرون، على استغلال هذا التقرير في العلاقات الثنائية الفرنسية الجزائرية، وخاصة في جانبه التاريخي.

 

وبحسب رخيلة، إن حقق الفرنسيون أهدافهم المعلنة الواردة في التقرير، سيكون ذلك نقطة سياسية لحسابهم في الحملة الانتخابية.

 

ويختم أنهم إذا فشلوا في ذلك، فسيقولون إنهم لاقوا تشددا من الجزائريين فيما يخص مطالبهم، وإنهم لن يتنازلوا عن مواقفهم، وسيستثمرون ذلك في الحملة الانتخابية.

 

أُعد بطلب من ماكرون

 

بدوره، يقول المؤرخ قورصو، إن تقرير ستورا سياسي في جوهره، مشيرا إلى أنه أعد بطلب من ماكرون، وتمت تلبيته من طرف مؤرخ أدّى وظيفة سياسية.

 

ويردف قورصو: ستورا تخلص من قبعته مؤرخا ليمتهن السياسة بإنجازه لهذا التقرير.

 

ويتابع: التقرير لا يعنينا نحن الجزائريين حتى وإن ناقشناه، لأنه يعني الفرنسيين، كما أنه يضم نوعا من المراجعة الرجعية للتاريخ.

 

ويوضح أن عمل ستورا لا يتضمن حديثا صريحا حول الاستعمار، ولا يتحدث عن الجرائم والقمع بحق الجزائريين.

 

ويعلّق بقوله: وكأنّ ستورا نسي ما كتبه عندما كان يعدّ التقرير الذي يساوي بين الضحية والمجرم.

 

ويزيد: ستورا يقول إنه ليس لديه إشكال باعتذار فرنسا عن جرائمها، ولكن يزكي الطرح السياسي القائم على اللااعتذار.

 

ويعتبر أن هناك نوعا من المراوغة المكشوفة ومنها التسويق لخطاب ماكرون الذي اعترف سابقا بجرائم فرنسا الاستعمارية لدى زيارته للجزائر عندما كان مرشحا للرئاسة.

 

ويلفت قورصو، إلى أن ماكرون نسي ما صرّح به في الجزائر قبل توليه الرئاسة بأن الاستعمار جريمة ضد الإنسانية.

 

ودام الاستعمار الفرنسي للجزائر بين 1830 و1962، حيث تقول السلطات الجزائرية ومؤرخون، إن هذه الفترة شهدت جرائم قتل بحق قرابة 5 ملايين شخص، إلى جانب حملات تهجير ونهب الثروات.

 

ويردد المسؤولون الفرنسيون في عدة مناسبات ضرورة طي الجزائر صفحة الماضي الاستعماري، وفتح صفحة جديدة.

 

لكن الجزائر طالبت فرنسا مرارا باعتراف رسمي بجرائم الاستعمار، وحل ملفات مرتبطة باستعادة الأرشيف وتعويض الضحايا.

 

 

المصدر: القدس العربي + وكالة الأناضول

زر الذهاب إلى الأعلى