ملفات ساخنة

العراق ولعنة قتل الملك الهاشمي

في يوم ١٤ تموز سنة ١٩٥٨ قُتِلَ الملك الشاب فيصل الثاني حيث كان ملكاً فعلياً للعراق عندما بلغ الثامنة عشر من عمره، درس الملك فيصل الثاني في بغداد في منطقة الميدان عند باب المُعظّم ودرس أيضا في مدارس بريطانية مع قريبه الحسين بن طلال ملك الأردن حيث كانت تربطهما علاقة متينة.

 

تقدم فوج عسكري صبيحة يوم الرابع عشر من تموز سنة ١٩٥٨ باتجاه قصر الرحاب الذي كان يُقيمُ فيه الملك وعائلتهُ في منطقة الحارثية بجانب الكرخ في بغداد، أمروا الملك وعائلتهُ بالخروج من القصر، كانت الملكة عالية والدة الملك فيصل الثاني تضع المصحف الشريف (القران الكريم) فوق رأس ولدها الملك فيصل الثاني طالبة من الجنود عدم قتل ولدها الملك وحفظ حياة الملك فهو من نسل الرسول عليه الصلاة والسلام، لكن الجنود أُمِروا بقتلِ الملك وعائلته فقتلوا الملك وعائلته والوصي على العرش عبدالإله أيضاً، كان ذلك الانقلاب العسكري الدموي بتدبير من عبد الكريم قاسم الذي تولى الحكم في العراق من بعد الحكم الملكي في العراق.

 

أصبح عبد الكريم قاسم رئيساً للوزراء في العراق والقائد العام للقوات المسلحة ووزير الدفاع أيضا سنة ١٩٥٨ ولغاية ١٩٦٣ حيث كان أول حاكم عراقي بعد الحكم الملكي في العراق، لكن بعد حركة ٨ شباط ١٩٦٣ تشكلت محكمة في قاعة الشعب المجاورة لوزارة الدفاع حيث حُكم على عبدالكريم قاسم بالإعدام وأُعدم رمياً بالرصاص مع مجموعة من معاونيه، انتهت حياة عبد الكريم وحكمه أيضاً بالقتل.

 

عبد السلام عارف كان شريكاً لعبد الكريم قاسم في ثورته للإطاحة بالنظام الملكي وتسلم وقتها عدة مناصب مثل نائب رئيس محلس الوزراء ووزير الداخلية أيضاً، لكنه أُعفيَ من جميع مناصبه بسبب خلاف بينه وبين رئيس الوزراء عبد الكريم قاسم، أُبعِد عن العراق وعُيّن سفيراً للعراق في ألمانيا الغربية وبعدها لُفِقَت له تهمة محاولة تغيير نظام الحكم في العراق وحكم عليه بالإعدام ثم خفف الحكم إلى السجن المؤبد ومن ثم للإقامة الجبرية لعدم كفاية الأدلة ضده، لكنه قام بالتخطيط لحركة ٨ شباط ١٩٦٣ ونفذها حزب البعث العربي الاشتراكي وأطاحوا بنظام عبد الكريم قاسم واختيرَ عبد السلام عارف رئيساً للجمهورية برتبة مُهيب، لكنه مات أيضاً بحادثة سقوط مروحيته السوفييتية الصنع في ظروف غامضة تماماً سنة ١٩٦٦.

 

أما عبد الرحمن عارف الذي تسلم منصب رئيس الجمهورية في السادس عشر من إبريل سنة ١٩٦٦، تم إقصاؤه عن الحكم على إثر حركة تموز ١٩٦٨ التي كان يقودها حزب البعث وعدد من الضباط والسياسيين، داهموا القصر الجمهوري وأجبروا عبد الرحمن عارف على التنحي عن الحكم مقابل ضمان سلامته وضمان سلامة ابنه الذي كان ضابطاً في الجيش العراقي، من ثم تم إبعاده عن العراق ونُفي إلى اسطنبول وبقي منفياً هناك حتى عاد إلى بغداد في بداية الثمانينيات من القرن الماضي حيث سمح له صدام حسين بالعودة أنذاك بالعودة.

 

أحمد حسن البكر التكريتي تسلّم الحكم في العراق في فترة ١٩٦٨ – ١٩٧٩ بعد أن أطاح حزب البعث بعبدالرحمن عارف الذي كان رئيساً للجمهورية العراقية، تولى حزب البعث الحكم في العراق بقيادة أحمد البكر ونائبه صدام حسين وقام الاثنان بعمليات اعتقالات واسعة واغتيالات كثيرة بحق السياسيين العراقيين والضباط العسكريين مثل عبدالرحمن البزاز رئيس الوزراء الاسبق وطاهر يحيى وعبد العزيز العقيلي، وفي الثلاثين من تموز سنة ١٩٦٨ قام أحمد البكر وصدام حسين بالانقلاب أيضا على أصدقائهم الذين قاموا بالانقلاب على نظام حكم عبد الرحمن عارف وقاموا بطردهم من مناصبهم ونفيهم ومن ثم تصفيتهم في المنفى، وبعد عشر سنوات من تولي أحمد حسن البكر التكريتي الحكم في العراق أجبره صدام حسين على تقديم الاستقالة من منصب رئاسة الجمهورية في ١٦ يوليو سنة ١٩٧٩ ومات بعدها في ٤ أكتوبر سنة ١٩٨٢.

 

تسلّم صدام حسين الحكم في العراق وأصبح رئيساً للجمهورية والقائد العام للقوات المسلحة والأمين القطري لحزب البعث العربي الاشتراكي، قام بحملة تصفية لمعارضيه وخصومه داخل الحزب البعث بتهمة خيانة الحزب، دخل في حرب مع إيران دامت ثماني سنوات وبعدها قام بغزو الكويت وأصبح مصدر تهديد لأمن دول الخليج العربي حيث أدى هذا الغزو إلى نشوب حرب الخليج سنة ١٩٩١، قام باضطهاد شعبه شمالاً وجنوباً وأصبح نظام حكمه دكتاتورياً، بعدها دخل في حرب مع أمريكا سنة ٢٠٠٣ حيث تم القضاء على نظام حكم حزب البعث وإعدام صدام حسين شنقاً في أول أيام عيد الأضحى في ٣٠ ديسمبر سنة ٢٠٠٦.

 

العراق المعاصر والحديث كان من الدول الرائدة في الشرق الأوسط والعالم لما فيها من تقدم علمي وفني وكافة المجالات الأخرى، كانت بغداد مدينة رائدة بالحياة الاجتماعية والحرية الشخصية ولا تنامُ ليلاً وتبقى ساهرة على أنغام المقام والغناء البغدادي وخصوصاً أيام الصيف، كان هناك تقدماً باهراً في التعليم والصحة ومحو الأمية، شهد العراق في فترة السبعينيات بتأميم نفط كركوك وبعدها الموصل والبصرة وازدهر التعليم كثيرا حيث اعلنت منظمة اليونسكو أن التعليم في العراق أصبح يضاهي التعليم في الدول الاسكندنافية، لكن هذه التطورات والرفاهية التي عاشها العراقيون لم تدم طويلاً بسبب الأنظمة التي تسلمت الحكم في العراق.

 

أدخل صدام حسين العراق في حرب مع إيران دامت ثماني سنوات حيث خسر العراق مئات مليارات الدولارات وخلفت هذه الحرب مئات الالاف من القتلى والجرحى من أبناء الشعب العراقي، بعدها قام بغزو الكويت ودخل حرب الخليج حيث أصبح العراق محاصراً إلى سنة ٢٠٠٣ عندما تم إسقاط نظام صدام حسين، عانى الشعب الكثير من المعاناة ومنها معاناة الشعب بيد النظام حيث أصبح هذا النظام دكتاتورياً وقام بقتل أبناء الشعب من السنة والشيعة والكُرد باأشع الوسائل والطرق الوحشية.

 

بعد أن تم القضاء على نظام صدام حسين جائت أحزاب وشخصيات أخرى واستلموا نظام الحكم في العراق، تدهورت حالة العراق من كافة النواحي وتلاشت أحلام العراقيين بسبب دوامة العنف الطائفي في العراقي التي بلغت ذروتها بين عامي ٢٠٠٦ و٢٠٠٨، وتشكيل ميليشيات مسلحة مدعومة من دول إقليمية حيث قامت هذه الميليشيات باأمال عنف وقتل ضد الشعب العراقي، أصبحت التفجيرات عادة يومية تقريباً في هاتين السنتين في ظل حكم الأحزاب الإسلامية المعروفين بولائهم لدول أخرى في المنطقة، أصبح الفساد متفشيا في كافة وزارات ودوائر الدولة حيث تم صرف مبلغ ٤١ مليار دولار حسب وثائق رسمية على قطاع الكهرباء ولا زال الشعب العراقي يعاني من أزمة انقطاع التيار الكهربائي، الفساد في العراق حاليا يجري بتوظيف السلطة لممارسة أعمال الفساد وسرقة أموال الشعب العراقي، الفساد في العراق يقاس بالمليارات وليس بالمفرد.

 

سنة ١٩٥٨ عندما قتل العراقيون الملك الشاب حكموا على بلادهم بالإعدام، لعنة الدماء الهاشمية لا زالت تطارد العراق والعراقيين منذ استشهاد سيد شباب أهل الجنة الحسين بن علي رضي الله عنهما والملك الشاب فيصل الثاني الذي كان من نسل الرسول أيضاً.

 

السياسيين الحاليين في العراق كُلٌ يدّعي وصلاً بليلى وليلى لا تُقرُ له بذاك، كلٌ يُغني على ليلاه ويعمل على مصالحه الشخصية ومصالح الدول التابع لهم والعراقيون يعيشون في الجحيم بسبب هذه الأنظمة الفاسدة، كل الذين تحدثت عنهم في مقالي هذا كانوا رؤساء للعراق وانتهت مدة حكمهم بالقتل، هذا الذي يحصل بالضبط للعراقيين فالمعيشة في العراق في تراجع دائم ومستمر حيث أصبحت بغداد من ضمن أسوء الدول للمعيشة في العالم وأصبح العراق ضمن الدول الأكثر فساداً بعد أن كان العراق محط أنظار العرب والعالم في القرن الماضي، أُنهي مقالي بمقولة للملك الشاب فيصل الثاني حيث قال (أُريدُ أن أجعل من وطني العراق جنائن معلّقة يراها كل العالم).

 

 

المصدر: الجزيرة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى