ملفات ساخنة

القوة الناعمة التركية واستعادة أمجاد الخلافة الإسلامية العثمانية

تعتبر الدولة التركية الحديثة امتداد لدولة قومية  منذ الاف السنين لديها مساحتها الكبيرة و لغتها الخاصة وقوميتها التي تفتخر بها ناهيك عن الموارد المختلفة، ومنذ وصول السيد رجب اردوغان للحكم بدءا من رئاسة بلدية اسطنبول1994  ومرورا برئاسة الوزراء 2003 حتى وصوله لرئيس الجمهورية2014،  وضع نصب عينيه اعادة الهيبة والمكانة للدولة التركية وفق الحداثة بربط مساراتها بالماضي الذي يفتخر به الاتراك، وعمل اردوغان على ذلك وفق ادوات ناعمة وقوة ناعمة يفتقد استثمارها كثير من الدول استمر تنفيذها على مدار ما يزيد على 25 عام حتى بدأ في حصاد مدخلات عملياته الاحترافية، وفي هذا المقال نستعرض  اهم الأدوات التي تم استثمارها في القوة الناعمة من قبل القيادة التركية لاحتلال ما يسمى واقع البيئة التي تعمل فيها تركيا علي المستوى المحلي والاقليمي والدولي وفق المؤشرات التالية:

 

1- مؤشر الحكومة: التجربة السياسية لحزب العدالة والتنمية، والتي نجحت مبدئيا في إدخال الديمقراطية التركية إلى حيز الاستقرار، حيث بدَّلت وضع تركيا التي شهدت منذ تأسيس الجمهورية الحديثة عام 1923 تشكيل 56 حكومة، حتى وقت تكليف “حزب العدالة والتنمية” التركي بتشكيل الحكومة في 11 مارس/آذار 2002، وهذا رقم كبير وسلبي بالمعايير الديمقراطية، إذا ما قورن بالاستقرار السياسي بعد ذلك (5 حكومات خلال الفترة من 2002 – 2015)، وهو ما عزز عملية البناء الاقتصادي، وأدى لدعم أداء المؤسسة المعنية بإدارة السياسة الخارجية، وعزز من قدرة تركيا على المناورة في المعترك الدولي.يضاف لهذا أيضا، دور حزب العدالة والتنمية في كبح جماح تدخل العسكر في السياسة، لينتقل من مرحلة شهدت 4 انقلابات خلال الفترة بين 1960 و1997 (37 عاما) إلى مرحلة حدوث محاولة انقلابية واحدة خلال 20 عاما، وهي المحاولة الانقلابية الفاشلة التي شهدتها تركيا في 15 يوليو/تموز 2016.

 

2- مؤشر الثقافة: يعتمد “تقرير القوة الناعمة” على مؤشر الثقافة، كأحد مؤشرات قياس القوة الناعمة لدولة من الدول, عندما نتحدث عن المنتجات الثقافية التركية التي تمثل أحد أهم مصادر القوة الناعمة التركية، تثور في الأذهان أسماء مسلسلات مثل: “القرن العظيم”، الذي يركز على حياة السلطان العثماني سليمان القانوني في القرن الـ16، والذي يحتل المرتبة الأولى في قائمة المسلسلات التركية الأكثر مشاهدة في العال، يليه مسلسل “ماذنب فاطمة جول” ثم مسلسل الف ليلة وليلة وقيامة ارطغل  والسلطان عبد الحميد، الذي يحظى بنسبة متابعة كبيرة.

 

وكشفت دراسة أجرتها شركة “إنتربريس ميديا سرفيسز” في النصف الثاني من 2019، أن تركيا تحتل المرتبة الثانية في العالم بعد الولايات المتحدة الأميركية في تصدير الدراما بإيرادات كانت تقدر في 2015 بنحو 350 مليون دولار.

 

3- مؤشر الدبلوماسية: يهدف مؤشر الانخراط في المجتمع الدولي، لقياس الأثر العالمي للموارد الدبلوماسية للدولة، وقياس إجمالي مساهماتها في جهود المجتمع الدولي, إن الدبلوماسية التركية تبدو ناجحة في إقامة توازن دقيق في علاقاتها مع القوى الكبرى: الولايات المتحدة، وروسيا، وأوروبا، في منطقة الشرق الأوسط، وتبدو في حرص شديد على إقامة علاقة متوازنة بهم، في إطار تحقيق المصالح الوطنية التركية، وهو ما تبدى بصورة أساسية في مواقف تركيا من قضيتي: سوريا، وليبيا, من أبرز محاولات تركيا الفعلية لتحقيق ذلك، العمل على إنشاء أبجدية تركية مشتركة تجمع شعوب الجمهوريات الإسلامية في آسيا الوسطى، وهو ما انعكس على قرارات سلطات كل من : أذربيجان، وتركمانستان، وأوزبكستان، في الانتقال إلى اعتماد أبجدية جديدة مشتركة.

 

كما وقع وزراء ثقافة كل من: أذربيجان، وكازاخستان، وقيرغيزستان، وأوزبكستان، وتركمانستان، وتركيا- في نفس السنة- اتفاقا بشأن إنشاء منظمة دولية للثقافة التركية.

 

وتحت رعاية هذه المنظمة، تقام سنويا عدة فعاليات ثقافية، تعنى بتقديم التراث المشترك للعالم التركي. وفي 2009، تأسس مجلس تعاون الدول الناطقة بالتركية، وشمل هذا المجلس كلا من: تركيا وأذربيجان، وكازاخستان، وقيرغيزستان، ومن المهام الراهنة لهذا المجلس تطوير الكتب المدرسية في التاريخ، والجغرافيا، والأدب، في البلدان الأعضاء للمجلس، بما يتوافق مع التصورات التركية لتعزيز فكرة القومية التركية.

 

آخرا وليس أخيرا في هذه المساحة نتحدث عن الصورة التي خلفتها عمليات “إدلب”. وبرغم أن هذه العملية لا تندرج في إطار الدبلوماسية، فإنها تعالج في سياق أعم، يتعلق بصورة الدولة في ممارستها لسياستها الخارجية.

 

4- مؤشر التعليم: إن قدرة الدولة على جذب طلبة أجانب، أو تسهيل التبادل الطلابي، واتخاذهم مددا ناعما، تعد من الأدوات القوية للدبلوماسية الشعبية

شهد العقد الأول من الألفية الثالثة طفرة تعليمية ملموسة في تركيا، وكان من أبرز حصادها ارتفاع عدد الجامعات في تركيا من 76 جامعة في 2007 إلى 170 جامعة في 2017 ، موزعة على غالبية المدن التركية عبر الجمهورية.

 

وتخطط تركيا للعام 2023، على أن يكون لديها 500 جامعة على مستوى الجمهورية. ويبلغ عدد أساتذة الجامعات في تركيا حوالي 100 ألف أستاذ تقريبا.

 

وفي عام 1981، كان تصنيف تركيا من حيث مستوى الدراسة الجامعية رقم (42) بين جامعات العالم في مجال البحث العلمي، وتقدم ترتيبها في عام 2008 للمرتبة (18) بين دول العالم في البحث العلمي.

 

وفي 2020، دخلت 9 جامعات ضمن أفضل 1000 جامعة على مستوى العالم[33]. وهكذا اجتازت وتقدمت تركيا وفقا للتقارير والمعايير العالمية لقياس معدل التقدم في البحث العلمي، ومنها النشر في دوريات علمية عالمية، والحصول على براءات الاختراع، والإبداع العلمي، والحصول على جوائز عالمية.

 

وحسب تصنيف “معهد الحكومة” البريطاني لقياس القوة الناعمة، احتلت تركيا المرتبة (25) في عام 2011، والمرتبة (20) في عام 2012، ضمن قائمة تضمنت 40 دولة متقدمة على مستوى العالم في أوروبا وأميركا الشمالية وآسيا.

 

ومن أهم الأسباب التي جعلت من تركيا وجهة للتعليم إقليميا وعالميا، جودة وفاعلية الدراسة في جامعاتها، وانخفاض تكاليف المعيشة، وقلة تكلفة رسوم الدراسة في المؤسسات الجامعية التركية مقارنة بالدول الغربية.

 

ويعد برنامج المنح التعليمية التركية من أهم برامج المنح في العالم، حيث توزع بين الدرجات الجامعية الثلاثة: البكالوريوس والماجستير والدكتوراه، وتشمل معظم التخصصات الدراسية في هذه المراحل الثلاث، وتنتهي المنحة إلى 4000 طالب حول العالم، يحظون بمزايا تنافسية، مقارنة بمنح الجامعات المختلفة حول العالم، ما بين توفير مصاريف الإقامة كاملة، وراتب شهري يتراوح ما بين 700 إلى 3000 ليرة تركية، بجانب التأمين الصحي المجاني طيلة مدة الدراسة، كما يحصل – صاحب المنحة -على تذاكر طيران مجانية إلى بلاده في العطلات السنوية طيلة فترة الدراسة، وبطاقة تنقلات (مواصلات) بقيمة رمزية، ومنحة مجانية إضافية لمدة عام لدراسة اللغة التركية، علاوة على زيارة الأماكن الأثرية والمتاحف مجانا طيلة فترة الدراسة.

 

وعبر نظام المنح، نجحت تركيا في استقطاب عدد كبير من الطلاب الأجانب بتركيزها على فتح أبواب الدراسة والتعاون العلمي والثقافي مع عدد من الدول، بلغ 176 دولة، ورافق نظام المنح نظام داخلي قام على تبسيط إجراءات الحصول على التأشيرة والإقامة.

 

ويبلغ عدد الطلبة الجامعيين بتركيا نحو 4.1 مليون طالب من بينهم أكثر من 54.4 ألف طالب أجنبي، بحسب تقرير منظمة “اليونسكو” لعام 2013، وزاد العدد إلى 87 ألف طالب في العام الدراسي 2015 – 2016.

 

ورغم أن لغة التدريس في أغلب الجامعات هي اللغة التركية، فإن عددا كبيرا من الجامعات الحكومية تدرّس تخصصات معينة باللغة الإنجليزية، أما الجامعات الخاصة فأغلبها يدرس باللغة الإنجليزية.

 

ومن أبرز الأمثلة على اهتمام تركيا بمحيطها الإقليمي ضمن سياستها التعليمية أنه في عام 2011 – 2012 كان لأذربيجان أكبر نسبة من حيث عدد الطلاب، بلغ نحو 4200 طالب، تلتها تركمانستان بنحو 1110 طلاب، وبلغ عدد طلاب جمهورية شمال قبرص التركية نحو 3800 طالب. كما أن هناك نسبة محدودة من الطلاب الأوروبيين، حيث أرسلت كل من ألمانيا، واليونان في هذا العام أكثر من 1300 طالب.

 

وترمي تركيا لتعزيز نفوذها وصورتها الذهنية في عقول شباب محيطاتها الإقليمية المتعددة التي أشرنا إليها، خاصة الجمهوريات التركية التي توالى استقلالها عن الاتحاد السوفيتي إثر سقوطه عام 1991.

 

5- المشروعات: قد تبدو العناصر المرتبطة بمؤشر المشروعات من قبيل القوة الخشنة (وفق تعريف جوزيف ناي نفسه)، إلا أن مقياس المشروعات الذي يتناوله مؤشر تقرير القوة الناعمة لا يتعلق بالمنح أو العقوبات الاقتصادية، بل يهدف لقياس مدى جاذبية النموذج الاقتصادي الذي تتبناه دولة من الدول بالنظر لمعايير مثل التنافسية، والقدرة على الإبداع، وقدرتها على تسهيل وتعزيز المشروعات الاقتصادية والتجارة، ومستوى مكافحة الفساد في هذه الدولة, وتدير تركيا صورة ملف الاقتصاد الداخلي بحرفية علاقات عامة عالية، تدعم قوتها الناعمة وصورتها في أعين المستثمرين وشعوب المنطقة، وتقيم توازنا فعالا في هذه الصورة بين بعض مؤشرات الاقتصاد الكلي التي تبدو سلبية، مثل المديونية الخارجية الحكومية التي بلغت 217 مليار دولار، بحسب وزارة الخزانة والمالية، حتى يوليو /تموز 2019.

 

وتدير أنقرة هذا الملف أيضا في إطار علاقتها بمؤشرات موازية احتوائية إيجابية، مثل حجم الصادرات التركية الذي يبلغ نحو 185 مليار دولار، فضلا عن حجم الناتج المحلي بإجمالي بلغ نحو 900 مليار دولار، وما يعنيه ذلك من قدرة عالية للاقتصاد الذي يعمل على تجسير الفجوة بين الصادرات والواردات بسرعة وكفاءة.

 

ومن قبيل الفاعلية في إدارة هذه المساحة أيضا ملف “حرب العملة” التي وقعت ضحيتها لصالح ملف زيادة الميزة التنافسية للصادرات التركية بعد انخفاض قيمة الليرة التركية، وهي الحرفية التي دفعت أحد رموز الحركة السياسية المصرية- وهو وزير الخارجية المصري الأسبق “عمرو موسى”- أن يوجه عرضا محرجا لأحد رموز الأذرع الإعلامية المصرية حول الاقتصاد التركي في قوة بنيته وارتفاع عوائد تجارته الخارجية.

 

وتسوق تركيا في نفس السياق نفسها بما تتمتع به من استقرار اقتصادي، من أهم ملامحه أنها تشكل سادس أكبر قوة اقتصادية على مستوى أوروبا، والاقتصاد هو المرتبة السادسة عشرة على مستوى العالم، مع توقعات صندوق النقد الدولي بزيادة معدل النمو إلى 3%، غير أن أهم صور القوة الناعمة التركية- في الفترة الأخيرة – عمليات التصدير التركية لمستلزمات مواجهة جائحة كورونا، والتي بدت فيها تركيا قلعة صناعية للمستلزمات الطبية اللازمة لمواجهة الفيروس، حيث غطت الاحتياجات المحلية من الكمامات الطبية وأجهزة التنفس, وتجاوزت ذلك لتصديرها لأكثر من 70 دولة حول العالم، من بينها الولايات المتحدة، ناهيك عن المعونات الطبية التي قامت بها تركيا – في هذا الصدد- والتي وجهتها للدول الأكثر تضررا من الفيروس، مثل إيطاليا وإسبانيا.

 

اللافت في هذا الصدد أن طبيعة الاستثمارات في هذا الإطار، وجاهزية البنية التحتية التعليمية، والتجهيزية للتوسع في هذا الإطار، اقترنت بالالتزام بالمعايير العالمية.

 

ومن بين المشروعات التي تلفت الأنظار حول العالم مشروع “الخطوط الجوية التركية”، وهي من شركات الطيران ذات النجاح الواعد على الصعيد العالمي.

 

وتحتل هذه الخطوط المرتبة الأولى عالميا من حيث عدد البلدان التي تقصدها، حيث بلغت وجهاتها في 2019 نحو 121 بلدا.

 

كما تحتل الشركة المرتبة الثانية عشرة عالميا من حيث حجم الأسطول، فهي تمتلك 332 طائرة، منها 107 من الطائرات العريضة، و225 من الطائرات الضيقة، كما تقع في المرتبة السادسة من حيث عدد الوجهات التي تتوجه لها شركة خاصة، حيث يبلغ عدد الوجهات في سبتمبر 2017 نحو 302 وجهة (مطار).

 

كما تحتل المرتبة 18 عالميا في عام 2018 وفق تقرير Sky Tracks ذي “المؤشرات الشاملة”، متفوقة على عدد كبير من الشركات الكبرى في هذا المجال، ومن بينها شركات ضخمة صينية وأميركية وأوروبية وعربية.

 

وتشير بيانات البنك الدولي لعام 2020 حول تيسير الأعمال، حلول تركيا في المرتبة 33 عالميا، فيما يتعلق بتيسير الأعمال، متفوقة حتى على إسرائيل التي تقبع في المرتبة 35، وسائر دول الإقليم، باستثناء الإمارات التي تقدم نفسها للعالم باعتبارها منصة للأعمال.

 

6- الرقمنة: مقياس الرقمنة ضمن مؤشر القوة الناعمة يمثل بعدا مهما في قياس القوة الناعمة. ويهدف هذا المؤشر إلى قياس مدى اعتناق دولة من الدول للتطور التقني، ومدى عمق ارتباطها بالعالم الرقمي، ومدى استخدامها للدبلوماسية الرقمية عبر منصات التواصل الاجتماعي.

 

غير أن هذا المؤشر يعني لتركيا أكثر من مجرد اعتناق التقنية، حيث كان تراجع المستوى التقني أحد أهم أسباب عرقلة التكتل التركي في آسيا الوسطى، ورجحان كفة روسيا في علاقتها مع بعض جمهوريات آسيا الوسطى.

 

وتحرص تركيا على تغيير هذا الوضع، وتعمل على توسيع قاعدة تطورها التقني، وهو ما بدأ تبلوره دعائيا مع هجوم تركيا على قوات نظام الأسد في سوريا، مع تعقد الوضع الجيوسياسي في “إدلب”، حيث بدت التقنية التركية أحد أهم عوامل ترجيح كفة تركيا على النظام السوري المستند لتقنيات تسلح روسية متنوعة ومتطورة.

 

ومن جهة أخرى، تعمل “وكالة التعاون والتنسيق التركية (TİKA)”، والتي تعد ثالث أكبر مانح للمساعدات التنموية على الصعيد العالمي[51]، في مقدمة الوكالات الدولية التي تقدم مساعدات تنموية إقليمية، خاصة لمنطقة القوقاز، وتشارك – في هذا الإطار – بدور فعال في رسم ملامح الثقافة المستقبلية للمنطقة عبر تنظيم البرامج التعليمية والمشاريع والمساعدات التقنية.

 

 

إعداد جريدة تركيا الآن

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى