مواضيع ثقافية وسياسية

التهامي الكلاوي.. صفحة سوداء في تاريخ المغرب

ولد التهامي الكلاوي سنة 1879 ميلادية بدار كلاوة بقصبة “تلوات” وما تعرف أيضا “بتلويت” التي إتخذها والده محمد أبيبيط سنة 1870 مقرا لإقامته وشبه ثكنة عسكرية والتي تقع جهة “ذرعة تافيلالت” جنوب المغرب، كان جد التهامي أحمد المزواريالكلاوي يتولى منصب شيخ القبيلة في أواخر القرن التاسع عشر وكان ذلك بمثابة نجاح كبير للقبيلة عامة ولآل الكلاوي خاصة وذلك ما كانت تخضع له القبيلة من خنوع وإذلال تحت سلطة قيادة “زمران” قبل توليه المنصب.

 

تلقى التهامي تعليما دينيا بكتاب القبيلة ثم انتقل إلى مدرسة “لوركة” بالمنطقة ثم زاوية “سْكر” ب “اوريكة” القريبة من مدينة مراكش، حفظ القرآن وتلقى بعض العلوم في اللغة والدين إلا أن الظروف التي كانت تمر بها البلاد حالت بينه وبين التحصيل؛ توفي والده سنة 1886 وهو لا يتجاوز الثامنة من عمره فقام شقيقه الأكبر المدني الكلاوي بتكفله.

 

لم يتقبل الشعب المغربي نفي سلطانه خارج تراب الوطن فخرجت الحشود نساء وأطفالا وكهولا وشيوخا إلى الشارع مناديه بمطلب واحد لا رجعة فيه ألا وهو رجوع السلطان إلى عرشه.

 

كان الهدف الأسمى لآل الكلاوي بعد أن سطع نجمهم في القبيلة هو التقرب إلى المخزن والسلطان وفرض السيطرة على المنطقة ما تسنى لهم ذلك في عهد السلطان مولاي عبد العزيز بعد إعتلائه العرش سنة 1894 ؛ بعد تجربة التهامي الطويلة مع أخيه المدني في “الحرْكات” المخزنية والتي كانت بمثابة تدريب وتطلع لحياة سياسية مخزنية صارمة، خاض أول معركة حربية وذلك لقمع قبيلة “ووزكيت” المتمردة على النظام المخزني وهو في الخامسة عشر من عمره وقام بالمشاركة في حرب “واد تيديلي” وهو في الثامنة عشر من عمره، ما زاده حنكة ودهاء في أمور السياسة والحرب، فكانت حنكته ورباطة جأشه سوطا اتخذه أخوه المدني على كل من من سولت له نفسه من قياد القبائل أن يثور أو يتمرد على النظام المخزني، ففي سنة 1906 قام بمحاربة القائد “الكندافي” بحزم وبسالة ما جعل الأخير يتخلى عن قبيلتي “أونين” و”أزيوا” للهيمنة الكلاوية التابعة للنظام المخزني وفي سنة 1910 توغل فرض الهيمنة إلى منطقة سوس وذلك استغلالا لفرصة وفاة قائدها الحاج إدريس حيث بعث التهامي الجنود لمحاربة “حيدا أوميس” باشا تارودانت ثم إرغام القائد “ناصر بن التهامي” على تسليم قيادة قبائل “أولاد يحيى” مع ضم قبائل “سكتانة” بعدها.

 

في سنة 1911 قرر السلطان مولاي عبد الحفيظ بن الحسن وبعد استقراره بفاس تجريد أخيه المدني وكل آل الكلاوي من مهامهم السياسية والإدارية والحربية وذلك بسبب كثرة الشكايات التي تقدمت بها القبائل في حقهم مما جعلهم يتخذون الحماية الفرنسية ملاذا وحليفا لهم ضمانا لهيبتهم وسلطانهم وسط قبائل شمال وجنوب الأطلس، ما أفضى إلى استرجاعهم موقعهم وهيمنتهم وذلك نتاج ما لقوه من دعم وتأييد من الحماية الفرنسية وكان ذلك بمثابة مكافأة لهم مما أبدوا من مجهودات في التخلص من حركة المجاهد “أحمد الهيبة ماء العينين” وطرده خارج مراكش.

 

بعد تنازل السلطان مولاي عبد الحفيظ بن الحسن لأخيه يوسف بن الحسن عن العرش وزمام الحكم تَم تعيين المدني صدرا أعظم (أي بمثابة وزير حرب) سنة 1927 فكان نصيب التهامي في ذلك ظهيرا شريفا يقضي بتعيينه باشا مراكش وكان حينها لا يتجاوز الثلاثين من عمره فأمسك زمام الأمور بيد من حديد مستغلا سلطته المطلقة على المنطقة ومباركة السلطان والحماية الفرنسية لكل ما يقدم عليه من إطفاء نور كل من حاول الخروج عن المخزن مستعينا بابن أخيه حمو الكلاوي، وكانت من أهم حملاته بلاد “تودغة” ضد أتباع المتمردَين “التوزونيني” و”بلقاسم النكادي” اللذان أصبحا يشكلان خطرا على المنطقة وتهديدا للمخزن فزاد ذلك التهامي تقة في النفس وتسلطا على العباد، فقد أصبح الآمر والناهي في المنطقة برمتها، لا ينفذ أمر إلا بإذنه، صغيرا كان أو كبيرا ولا يُقبِل أحد على تجارة أو شيء من هذا القبيل إلا وكان للتهامي نصيبا في ذلك، فأصبح الرجل ذا سلطان وجاه ومال لا يحصى إلى درجة أن فاقت ممتلكاته ممتلكات السلطان نفسه بكثير وذلك ما جاء في وثائق رسمية حين تم الحجز عنها.

 

لم يقف طمع وجشع التهامي في هذه الحدود أو في مجال التجارة والعقار والأراضي الفلاحية أو غيرها كما جاء في إحصائيات موثوقة من سجلات الحجز على الممتلكات سنة 1958 كما يلي: “كان مجموع الملكيات القروية المسجلة في منطقة الحوز وحده يغطي مساحة تبلغ 11400 هكتار مَسقية و16000 هكتار ملكا لأسرته وكانت تملك 25000 هكتار مجموعا للأراضي التي لا تتوفر على رسوم أما في قصره فكانت أزيد من مائة خادمة وجارية تحت إمرته” بل وصل الأمر إلى درجة توسطه في مجال الدعارة والبغاء كما جاء على لسان المؤلف الفرنسي “كي دو لانوي” في كتابه “ليوطي، جوان، محمد الخامس، نهاية الحماية” أن التهامي الكلاوي كان أكبر “بارونات” الوساطة في الدعارة حيث كان يكلف أتباعه بمراقبة عدد كبير من دور الدعارة التي كانت تضم أزيد من ستة آلاف عاهرة، اللواتي كن ملزمات على دفع ما يناهز مائة فرنك فرنسي كل يوم مقابل الترخيص لهن بمزاولة ذلك حيث امتدت شبكة تلك الدور أو ما كان يطلق عليه “البورديلات” إلى شمال المغرب وإسبانيا وذلك ما لقوه من تشجيع من الباشا مقابل المال.

 

في الثالث والعشرين من ديسمبر 1950 كان السلطان محمد الخامس على عادته يستقبل الوفود من كل أنحاء وجهات المغرب من ساسة ورجالات دولة وكان على رأسهم الباشا التهامي بكونه الرجل الثاني في البلاد بعد السلطان وذلك احتفالا بذكرى المولد النبوي، وكانت من بين الوفود التي أتت في حضرة السلطان حزب الاستقلال، الأخير الذي كانت بينه وبين الباشا الكلاوي والحماية الفرنسية عداوة، فأثار ذلك حفيظة الكلاوي وزاد غيضه وأفضى به إلى مخاطبة السلطان بلهجة تجاوزت حدود الأدب واللياقة احتجاجا على ذلك ورفضا للدعم والاهتمام الذي كان يبديه السلطان تجاه حزب الاستقلال حيث قال له حسب ما روي “لستم إلا ظل سلطان، لم تعودوا سلطان المغرب، أنتم سلطان حزب الاستقلال” الأمر الذي أغضب السلطان وقام بطرده من القصر حيث وكل مهمة ذلك لصهر التهامي الصدر الأعظم محمد المقري إذ أمره بإبلاغه أن السلطان لم يعد راغبا فيه في القصر حتى إشعار آخر، مما جعل الباشا يقدم على صرف وفود قبائله التي جاء بها قصد تجديد البيعة للسلطان ثم إعلان الحرب على السلطان بعدها، ما عرف بأزمة العرش الأولى وكان ذلك في مستهل العام 1951.

 

في التاسع عشر من ماي 1953 أصدر الباشا الكلاوي بيانا معلنا فيه صداقته وإخلاصه للحماية الفرنسية مطالبا إياها بإبعاد السلطان محمد الخامس وإلا فلتستعد هي للرحيل، وتم تعزيز المطلب بعريضة تضم مائتي وسبعين توقيعا لباشاوات وقواد وقد جاء فيها ما يلي “إن معشر القواد في مختلف الجهات المغربية ومن في دائرتهم من المغاربة رجال حركة المعارضة والإصلاح الممضين أسفله تحت رئاسة الباشا الهمام السيد الحاج التهامي المزواريالكلاوي..” ما جعل الحماية الفرنسية ترضخ لمطلب التهامي، وإثر فشل المفاوضات بينهم وبين السلطان وإعلان محمد الخامس معارضته للتوجهات الفرنسية ورفض التوقيع على الظهائر ذلك ما أدى إلى نفيه إلى “كورسيكا” بتاريخ 20 غشت 1953 ثم نقله إلى جزيرة “مدغشقر” بعد ذلك.

 

لم يتقبل الشعب المغربي نفي سلطانه خارج تراب الوطن فخرجت الحشود نساء وأطفالا وكهولا وشيوخا إلى الشارع منادية بمطلب واحد موحد لا رجعة فيه ألا وهو رجوع السلطان إلى عرشه، عم سخط عارم وسط البلاد فلم يجد الإفرنج ولا الباشا التهامي بُداً أمام شعب ثائر ومقاومة شرسة مكشرة عن أنيابها في إرجاع السلطان المفدى وعُرف الحدث بثورة الملك والشعب فكان لآل الكلاوي سلطان ومجد يتوسط ذلين أولهما باطل من طرف قبيلة زمران إثر الظلم التي كانت تمارسه عليهم وثانيهما حق وتحت الكاميرات في الديار الفرنسية حين قبل التهامي رجلي السلطان النبيل المفدى طالبا عفوه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى