مقال رئيس التحرير

الانتقام من الوطن

انتقاد الحكومة حق أصيل من حقوق الشعب الليبي، فلا ينبغي أن ينزعج منه ما يسمي بالوزراء أو القيادات في الأجهزة الحكومية، ما داموا ارتضوا بتحمُل المسؤوليات، وأقسموا على حماية ما يسمي بالدولة والمحافظة عليها، وبالطبع دائماً الحكومة  تكون اختصاصاتها واسعة ومتعددة، ومن الطبيعي يستلزم عليها أن تحصّن نفسها من تداعيات كثرة الأخطاء المحتملة، وخاصة تلك المشكلات التي تتعلق بالإرهاب والاقتصاد والأمن والعلاقات الخارجية والفساد، وهلمُ جر، وبالتالي الكثير من هذه المشكلات تشكل هاجساً وقلقاً دائماً للحكومة.

 

ومن هذا المنطلق  بيوتنا  دائماً في غاية النَّظافة، بينما شوارعنا على النَّقيض من ذلك وخير دليل علي هذا ما نشاهده من تكدس القمامة، والسببُ  في ذلك  يرجع بما يشعرون به أنَّهم يملكون بيوت، ولكنهم لا يشعرون أنَّهم يملكون وطن، فعلاً أصبحت شوارعنا وسخة وعفنة لأنَّنا نشعر أنَّنا لا نملكُ وطن ويرجع هذا إلى  سببين هما:

السبب الأوَّل: نخلطُ بين مفهوم الوطن ومفهوم الحكومة، فنعتبرهما واحداً، بسبب جهلنا وهذه مصيبة بحدِّ ذاتها، لأن الحكومة  ما هي إلا أداة من أدوات سياسة الدولة وتستخدم من أجل رعاية مصالح الناس وتقديم الخدمات لهم وسلطاتها دائماً محكُومة لفترة قصيرة من عمر الوطن، ولا توجد حكومة في هذا الكون ستبقى للأبد، وبالتالي فهي جزء من الدولة، وهي ليست ثابتة وإنما متغيرة ولا تتمتع بديمومة، بينما الوطن هو التاريخ والجغرافيا، والتراب الذي ضمَّ عظام الأجداد، والشجر الذي شرب عرقنا، و يحمل بداخله كل القيم والأعراف والعادات والمعاملات الإنسانية والأخلاقية وهو أكبر مما تحمله أي حكومة وما فيها، فالوطن كلمة بسيطة وحروفها قليلة، ولكنّها تحمل معاني عظيمة وكثيرة نعجز عن حصرها، فهو هويتنا التي نحملها ونفتخر بها، وهو المكان الذي نلجأ له ونحس بالأمان وهو الحضن الدافئ الذي يجمعنا، لهذا من حقِّ كل ليبي أن يكره الحكومة وسياساتها المقيتة، ولكن ليس من حقِّه أن يكره الوطن، والمصيبة الأكبر من الخلط بين الحكومة والوطن هو أن نعتقد أنَّنا ننتقم من الحكومة إذا أتلفنا الوطن، وكأنَّ الوطن للحكومة وليس لنا، وهذه هي الحقيقة المرة وللأسف من حيث الواقع والمضمون، فما علاقة الحكومة بالشارع الذي نمشي عليه أنا وأنتَ، وبالجامعة التي يتعلم فيها أبني وأبنكَ، وبالمستشفى التي تتعالج فيها زوجتي وزوجتكَ، هذه الأشياء إطلاقاً ليست مِلك مَن يديرها وإنَّما مِلك من يستخدمها نحن في الحقيقة ننتقمُ من الوطن وليس من الحكومة، فالحكومة تُعاقبُ بطريقة أُخرى لو كنَّا نحبُّ الوطن فعلاً.

 

السبب الثَّاني: إنَّ ثقافة الملكيَّة العامًّ معدومة عندنا بكل أسف، حتى تصورنا   أنفسنا كأنَّنا نعاني إنفصاماً ما، فالذي يحافظ على نظافة مرحاض بيته هو نفسه الذي يوسِّخ المرحاض العام، والذي يحافظ على الطاولة في البيت هو نفسه الذي يحفر أسمه على مقعد المدرسة والجامعة، والأبُّ الذي يريد من أبنه أن يحافظ على النِّظام في البيت هو نفسه الذي يرفض أن يقف في الطابور بانتظام وانتظار دوره، والأُمُّ التي لا ترضى أن تُفوِّت أبنتها محاضرة واحدة هي نفسها التي تهربُ من الدوام.

 

ومن هذه المعطيات إذاً الحكومة ليست الوطن شئنا هذا أَم أبَينا، ومشاكلنا مع سياسة الحكومة لا يحلُّها تخريب الوطن، لأجل ذلك نشاهد الشعب الليبي ينتقم من وطنه ويمارس السلبية، لأنَّ سياسة حكومته سيئة، ويطالب بهذه السلبية حكومة أفضل.

نعم رُقيِّنا لا يُقاس بنظافة حديقة بيتنا وإنَّما بنظافة الحديقة العامَّة بعد جلوسنا فيها، لو تأمَّلنا حالنا لوجدنا أنَّنا أعداء أنفسنا، وأنَّه لا أحد يسيء لوطنه بقدر ما نفعل نحن، صدق من قال الإنسان لا يحتاج إلى شوارع نظيفة ليكون محترماً، ولكن الشوارع تحتاج إلى أُناسٍ محترمين لتكون نظيفة.

 

وأخيراً: لا نُلام لحزننا عليه، وما يحدث فيه من انتقام وعبت وخراب ودمار وضياع لهويته، وسلب لإرادته وإستيباحاً لسيادته، بسبب سلوكنا وتصرفنا وأفعالنا وما يفعله سفهاء وحداق الحكومة بوطني ليبيا الحبيبة.

 

أ / المهدي احميد

زر الذهاب إلى الأعلى