شخصيات عربية وإسلامية

معن بن زائدة

نسبه:

هو معن بن زائدة بن عبد الله بن مطر بن شريك بن عمرو بن قيس بن شراحيـل بن مرة بن همان بن مرة بن ذهـل بن شيـبان بن ثـعلبة بن عكابة بن صعب بن علي بن بكر بن وائل.

سيرته:

عندما بلغ معن بن زائدة مقتل مروان بن محمد أخر خلفاء بني أمية، وتمكن بنو العباس من الخلافة أصابه الحزن على ما ألت إليه دولة بني أمية. وقد كان معن أحد الذين آزروا الدولة الأموية، وبذل جهده في قتال أشياع بني العباس، فقد كان العضد الأول لابن هبيرة قائد جيوش الأمويين في العراق، وبذل من البلاء ما سجل اسمه في خصوم بني العباس، فلما ألت الخلافة إلى العباسيين، سعوا في طلبة، وجعلوا جائزة عظيمة لمن يدلهم عليه. وعندما علم بذلك اعتزل الناس في خيمة من خيام الأعراب، وغير من هيئته، ولم يكن معه غير تابعه الأمين وائل يمهد وسائل العيش له، وقد جلس ذات عشية مع وائل فقال له:

لقد سئمت العيش في هذه الخيمة، معزولا طريدا من أمير المؤمنين، ومثلي لا تكون على مثل هذا حياته، فكيف يعفوا عني أمير المؤمنين وقد بذل ألف دينار لمن يأتي بي حيًا، كما ضاقت بي الحياة، والموت عندي أهون من مذلة العيش تحت الرهب والخوف.

قال وائل: إنك ذو فضل على الناس، وقد شاعت مآثرك في الكرم والجود حتى ضربة بك الأمثال فقيل: “أجود من معن”، والله لا يضيع كريمًا مثلك أنقذ مئات البيوت من غوائل الفقر والحاجة.

فقال معن: إن ذلك يُحسبُ عليَّ في دولة بني العباس، ولعل الذي جعل أبا جعفر يرسل عيونه في المدن بحثًا عني! لأنه يخاف من مثلي في إسقاط دولة بني العباس وإحياء دولة بني أمية من جديد. وهذا لم يدر في خلدي ابدا.

فقال وائل: لقد علمت أن جيوشًا من خراسان قد حضروا للثأر من مقتل أبي مسلم الخراساني وهم يتفرقون بين الأحياء انتظارًا لساعة الثأر، وأبو جعفر يبدي التهاون فيما يسمع من أمرهم، وما أرى إلا أن تذهب إلى بغداد مستخفيًا، وقد تغير مظهرك فلا يعرفك أحد، فإذا حانت الواقعة، وهي حائنة لا محال، فأعلن عن نفسك، وتقدم إلى فرس المنصور بنفسك لتتولى جهاد هؤلاء الخوارج، وابذل من شجاعتك وإقدامك ما تجعل المنصور يتعجب من فروسيتك، وستدور الدائرة على الخوارج بإذن الله وشجاعتك، وهنا ستجد الطريق ممهدًا للعفو عنك.

فقال معن: إن المخاطرة هي باب الاتقاء لمثلي وإذا صح ما تقول من أن جيوش الخرسانية ستقتحم قصر المنصور، فأنا أول من يحمي صاحب القصر، وموتي في هذه المعركة أهون عليَّ من التخفي في البادية مهملاً طريدًا.

ثم اشتعلت الحمية في صدر معن، فارتحل إلى بغداد متنكرًا ينتظر وقوع الأحداث.

فما هي إلا أيام قضاها معن في بغداد متنكرًا حول قصر الخليفة، حتى دهمت جيوش الخراسانية قصر أمير المؤمنين ليلاً بعد أن انصرف أكثر الحرس، وغابت كتائب الجيش، وسمع المنصور اللغط فتوقع الكارثة، واستنهض الباقين من الحرس ، وكان شجاعًا غير هيَّاب ولا وجل، فركب فرسه وتوسط أعدائه مع من معه من حرسه وقاتلهم، وكانت مخاطرة ستفضي إلى مصرعه لو بقي هكذا، ولكن معن بن زائدة ، اخترق الصفوف، وقاتل الريوندية والخرسانية فكان النصر على يده، وهو مقنع، فقال المنصور: ويحك، من تكون ؟ فكشف لثامه، وقال: أنا طلبتك معن. فسر به، وقدمه وعظمه، ثم ولاه اليمن وغيرها. 

صفاته وقصص كرمه:

قال معن بن زائدة: لمّا هربت من أبو جعفر المنصور خرجت من باب حرب, بعد أن أقمت في الشمس أياماً, وخففت لحيتي وعارضتيّ, ولبست جبّة صوف غليظة, وركبت جملاً, وخرجت عليه لأمضي إلى البادية, فتبعني أسود متقلِّداً سيفاً, حتى إذا غبت عن الحرس, قبض على خطام الجمل فأناخه, وقبض عليَّ, فقلت له: ما شأنك? فقال: أنت بغية أمير المؤمنين فقلت له: ومن أنا حتى يطلبني أمير المؤمنين? فقال: معن بن زائدة فقلت: يا هذا, اتقِّ الله وأين أنا من معن? فقال: دع هذا عنك فأنا والله أعرف بك. فقلت له: فإن كانت القصة كما تقول, فهذا جوهرٌ حملته معي بأضعاف ما بذله المنصور لمن جاءه بي, فخذه ولا تسفك دمي.‏ 

فقال: هاتِه, فأخرجته له, فنظر إليه ساعة; وقال: صدقت في قيمته, ولست قابله حتى أسألك عن شيء, فإن صدقتني أطلقتك; فقلت: قل. فقال: أن الناس وصفوك بالجود, فاخبرني: هل وهبت قطّ مالَك كله? قلت: لا. قال: فنصفه? قلت لا. قال فثلثه? قلت: لا، حتى بلغ العشر, فاستحييت, وقلت: أظنُّ أني قد فعلت هذا فقال: ما ذاك بعظيم أنا والله راجل ورزقي من أبي جعفر عشرون درهماً, وهذا الجوهر قيمته ألف دينار, وقد وهبته لك, ووهبتك لنفسك, ولجودك المأثور بين الناس ولتعلم أن في الدنيا من هو أجود منك فلا تعجبك نفسك, ولتحقّر بعد هذا كل شيء تفعله, ولا تتوقّف عن مكرمة. ثمّ رمى بالعدل إليَّ, وخلّى خطام الجمل وانصرف.‏

فقلت: يا هذا قد فضحتني, ولَسفكُ دمي أهون عليَّ مما فعلت, فخذ ما دفعتُه إليك, فإنّي عنه في غنى، فضحك ثم قال: أردتَ أن تكذبني في مقامي هذا فوالله لا آخذه, ولا آخذ لمعروفٍ ثمناً أبداً, ومضى.‏

فوالله لقد طلبتُه بعد أن أمنت، وبذلت لمن يجيء به ما شاء, فما عرفت له خبراً, وكأن الأرض قد ابتلعته.‏

وقال بعضهم: دخل معن على المنصور، فقال: كبرت سنك يا معن. قال: في طاعتك. قال: انك لتتجلد. قال: لأعدائك. قال: وإن فيك لبقية. قال: هي لك يا أمير المؤمنين.

وعرف عن معن بن زائدة القائد العربي الشهير انه من أوسع الناس حلما وصفحا وعفوا عن زلات الناس. فعندما ولاه أبو جعفر المنصور اليمن. تراهن أعرابيان على إغضابه. لقاء مائة بعير. فلبسا احدهم جلد ناقة. ونعلا من جلد ناقة فأصبح قبيح المنظر جدا ودخل على معن بن زائدة وانشد دون أن يسلم :

أتذكر إذ لحافك جلد شاة و إذا نعلاك من جلد بعير؟

فقال معن: نعم اذكره ولا أنساه

فقال الأعرابي: فسبحان الذي سواك ملكا وعلمك الجلوس على السرير

فقال معن: إن الله قادر على كل شيء.

فقال الإعرابي: فلست مسلما ما عشت يوما على معن بتسليم الأمور

فقال معن: السلام سنة. وشانك في الأمر.

فقال الأعرابي: سأرحل من بلاد أنت فيها وان جار الزمان على الفقير

فقال معن: إن جاورتنا فمرحبا بك و إن فارقتنا مصحوب السلامة.

فقال الأعرابي: فجد لي يا ابن ناقص بشيء فاني قد عزمت على المسير

فأمر له معن بألف درهم.

فقال الأعرابي: قليل ما أتيت به وأني لا اطمع منك بالمال الوفير.

فأمر له معن بألف درهم أخرى. فانخلع قلب الأعرابي واقبل على معن يقبل يديه ومعتذرا قال: سالت الله إن يبقيك ذخرا فما لك في البرية من نظير، فمنك الجود والإحسان حقا وفيض يديك كالبحر الغزير.

فقال معن : يا غلام . لقد أعطيناه ألفين على هجونا فليعط أربعة على مدحنا والتفت إلى الأعرابي قائلا: ما حملك على هجونا ؟ فاجبه: ذلك الأعرابي اللعين الذي راهنني لإغضابك لقاء مائة ناقة.

فقال معن : إذن خسرت الرهان ؟ و أمر له بمائتي ناقة. مائة له. و مائة للرهان.

 قتل معن بن زائدة

في سنة 151 هـ  قتل معن بن زائدة الشيباني بسجستان وكان المنصور قد استعمله عليها فلما وصلها أرسل إلى رتبيل يأمره بحمل القرار الذي عليه كل سنة، فبعث إليه عروضًا وزاد في ثمنها فغضب معن وسار إلى الرخج وعلى مقدمته ابن أخيه مزيد بن زائدة فوجد رتبيل قد خرج عنها إلى زابلستان ليصيف بها ففتحها وأصاب سبيًا كثيرًا وكان في السبي فرج الرخجي وهو صبي وأبوه زياد فرأى معن غبارًا ساطعًا أثارته حمر الوحش فظن أنه جيش أقبل نحوه ليخلص السبي والأسرى فأمر بوضع السيف فيهم فقتل منهم عدة كثيرة ثم ظهر له أمر الغبار فأمسك‏.‏ فخاف معن الشتاء وهجومه فانصرف إلى بست وأنكر قوم من الخوارج سرته فاندسوا مع فعلة كانوا يبنون فيء منزله فلما بلغوا التسقيف أخفوا سيوفهم في القصب ثم دخلوا عليه بيته وهو يحتجم ففتكوا به وشق بعضهم بطنه بخنجر كان معه وقال أحدهم لما ضربه‏:‏ أنا الغلام الطاقي‏!‏ والطاق رستاق بقرب زرنج فقتلهم يزيد بن مزيد فلم ينج منهم أحد‏.‏

ثم إن يزيد قام بأمر سجستان واشتدت على العرب والعجم من أهلها وطأته فاحتال بعض العرب فكتب على لسانه إلى المنصور كتابًا يخبره فيه أن كتب المهدي إليه قد خيرته وأدهشته ويسأل أن يعفيه من معاملته فأغضب ذلك المنصور وشتمه وأقر المهدي كتابه فعزله وأمر بحبسه وبيع كل شيء له ثم إنه كلم فيه فأشخص إلى مدينة السلام فلم يزل بها مجفوًا حتى لقيه

الخوارج على الجسر فقاتلهم فتحرك أمره قليلًا ثم وجه إلى يوسف البرم بخراسان فلم يزل في ارتفاع إلى أن مات‏.‏

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى