شخصيات عربية وإسلامية

الحجاج بن يوسف الثقي الطاغيه العادل

الحجاج بن يوسف بن الحكم الثقفي ، أبو محمد ، طاغية ودكتاتور عادل ، ولد ونشأ في الطائف وانتقل إلى الشام فلحق بروح بن زنباع أمير شرطة عبد الملك بن مروان فكان في عديد شرطته ، ثم ما زال يُظهر من الكفاءة حتى قلده عبد الملك أمر عسكره ، وأمره بقتال عبد الله بن الزبير ، فزحف إلى الحجاز بجيش كبير وقتل عبد الله وفرّق جموعه بعد حصار طويل لمكة المكرمة ، فولاه عبد الملك بعد ذلك مكة والمدينة والطائف ، ثم بعد ذلك أمره على العراق لأخماد الثورة فيها ، فانصرف إليها في ثمانية أو تسعة رجال على النجائب ، فقمع الثورة وثبتت له الإمارة عشرين سنة. وبنى مدينة واسط (بين الكوفة والبصرة). ويعتبر الحجاج داهية من دهاة العرب ، وكما قلنا أن أقرب وصف له هو الطاغية العادل.  فقد كان قاسي القلب لا يرحم من خرج عن طاعه السلطان وشق عصي الأمه ونابذ السلطان سلطاته. حكم العراق كما قلنا بأمر الخليفة عبد الملك بن مروان بعد أن كثرت الفتنة بها ، واستمر واليا عليها في عهد الوليد بن عبدالملك ، ومات قبل تولي سليمان بن عبدالملك الخلافه عن عمر قيل إنه أربع وخمسون سنة.

وعند توليه ولايه العراق استقرت بها الأوضاع بعد أن كانت متضعضعة ، ويعتبر الحجاج من مصاف بلغاء العرب الكبار في فن البلاغة والخطابة ، له خطب كثيرة تعتبر في قمة البلاغة والفصاحة ذكرها رواة التاريخ لعمقها وطرافتها وتماسك معانيها ومن أشهرها الخطبة التي ألقاها في مسجد الكوفة حين دخوله لها أول مرة بعد أن تولى الامارة فيها وكان جالسا على المنبر  يستمع لتهامس الناس عليه يصفونه بصفات لا يحبها وهو ملثم بعمامة حمراء حول وجهه ، وحين إكتمل الحضور نهض فجأه وقال خطبته الشهيرة جدا والتي بثّت الرعب في قلوب أهل العراق حيث أبتداها قائلا :

     أنا ابن جلا وطّلاع الثنايا       متى أضعُ العمانة تعرفوني 

ثم قال: إني لأحمل الشر محمله وأحذوه بنعله وأجزيه بمثله واني أرى رؤوسا قد أينعت وحان قطافها وإني لها . اني لأنظر الى الدماء بين العمائم واللحى ، والخطبة طويلة مذكروه في أحد فصول هذا الكتاب ، وقد اختتم خطبته بالقصيدة الرائعة التي خلدها التاريخ والتي قال في إحدى أبياتها:

    هذا أوان الشد فاشتدي زيم     قد لفها الليل بسواق حطم 

وكذلك خطبته الشهيرة حين دخل إلى البصرة وسمع أهلها يؤذنون للصلاة بطريقة تختلف عما اعتاده السلف. فدخل المسجد خاطبا في الحضور وقال: يا أهل العراق يا أهل الشقاق والنفاق ومساوىء الأخلاق وبنى اللكيعة وعبيد العصا وأولاد الاماء الى آخر تلك الخطبه ذات المضامين اللغوية القوية.

لقد عُرف عن الحجاج أيضا سعة تقافته وحفظه للشعر القوى المعنى وكان ينشد في مرض موته هذه الابيات من شعر عبيد بن شعيان:

  يا رب قد حلف الأعداء واجتهدوا   أيمانهم أنني من ساكني النار 

 أيحلفون علـى عميـاء ويحـهم   ما ظنهم بقديم العـفو غفـار  

وقد قال عنه عبد بن شوذب: ما رأيت مثل الحجاج لمن أطاع الخلافه ولا مثله لمن عصاها. وقال عنه أبو عمرو ابن العلاء: ما رأيت أحدا أفصح من الحسن البصري والحجاج ، وقال ياقوت (في معجم البلدان): ذُكر الحجاج عند عبد الوهاب الثقفي بسوء فغضب وقال: إنما تذكرون المساوىء أو ما تعلمون أنه أول من ضرب درهماً عليه لا إله إلا الله محمد رسول الله ، وأول من بنى مدينة بعد الصحابة في الإسلام، وأول من اتخذ المحامل ، وأن امرأة من المسلمين سُبيت في الهند فنادت يا حجاجاه ، فاتصل به ذلك فجعل يقول: لبيك! لبيك وأنفق سبعة آلاف ألف درهم حتى أنقذ المرأة ، واتخذ (المناظر) بينه وبين قزوين فكان إذا دخن أهل قزوين دخنت المناظر إن كان نهاراً وإن كان ليلاً أشعلوا نيراناً فتجرد الخيل إليهم، فكانت المناظر متصلة بين قزوين وواسط وأصبحت قزوين ثغراً حينئذ.

وقد أصيب الحجاج رحمه الله بمرض الأكلة في بطنه وكان يهرش بطنه بيديه الأثنتين حتى يدمى وكانوا يكوونه بالنار ليشفي. وتقول كتب التاريخ أنه كان يبكي كالأطفال من شدة الألم وقد شكا حاله الى العالم الكبير الحسن البصري الذي قال له:

كم قد نهيتك ياحجاج أن لا تتعرض لعباد الله الصالحين لكنك لم تنته وهذا جزاؤك.

فقال له الحجاج بصوت يملؤه الأسى والألم: اني لا أطلب منك أن تدعو الله حتى يشفيني ولكني أطلب منك أن تسأله أن يعجل قبض روحي ولايطيل عذابي.

وقد بكاه الحسن البصري رضي الله عنه بكاء شديدا من شدة تأثره لحال الحجاج. 

وقد ظل الحجاج يعاني من مرض الأكلة خمسة عشر يوما لم يطعم فيها الزاد ولم يغمض له جفن حتى مات في شهر رمضان وقيل شهر شوال سنة خمسة وتسعون من الهجرة وعمره أربعة وخمسون سنه. 

وفي رواية أخرى تقول: 

إن الحجاج رأى في منامه أن عينيه قد قلعتا وكان متزوجا من امرأتين فطلقهما بعد هذا الحلم اعتقادا منه أنهما ستقتلانه وفي اليوم الثاني من حلمه جاءه خبر وفاة ابنه محمد وأخيه محمد وأنه حزن عليهما جزنا شديدا مات عل أثره ، والرواية الأولى أقرب للحقيقة وذلك لما عرف عن الحجاج قوة شكيمته وصلابته في أحلك المواقف.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى