شخصيات عربية وإسلامية

أبو محجن الثقفي

أبو محجن الثقفي شاعر وفارس عربي مسلم مغوار من بني ثقيف ، كان قد ابتلي في الجاهلية بشرب الخمر، وتعلقت بها نفسه، وهام بها قلبه، وطالما عوقب عليها بعد إسلامه ولكن يعود إليها ويعاقب ويعود. بل كان من شدة تعلقه بالخمر يوصى ولده ويقول:

إذا مت فادفني إلى جنب كرمة     تروي عظامي بعد موتي عروقها

ولا تدفنني في الفلاة فإننــــــي     أخـــــاف إذا ما مـت أن لا أذوقهـا

فلما تداعى المسلمون للجهاد ولقتال الفرس في معركة القادسية خرج معهم أبو محجن وحمل زاده ومتاعه ولم ينس أن يحمل خمرا دسها بين متاعه فلما وصلو القادسية طلب رستم مقابلة سعد بن أبي وقاص قائد المسلمين وبدأت المراسلات بين الجيشين عندها وسوس الشيطان لأبي محجن فاختبأ في مكان بعيد وشرب الخمر ، فلما علم به سعد غضب عليه وحرمه من دخول القتال وأمر أن يقيد بالسلاسل ويغلق عليه في خيمة.

فلما ابتدأ القتال وسمع أبو محجن صهيل الخيول وصيحات الأبطال لم يطق أن يصبر على القيد واشتاق للشهادة بل اشتاق إلى خدمة هذا الدين وبذل روحه لله وإن كان عاصيا وإن كان مدمن خمر إلا أنه مسلم يحب الله ورسوله.

وأخذ يترنم قائلا:

 كفى حزنا أن تدخل الخيل بالقنى     وأتـرك مشدودا علي وثاقيـــــــا

 إذا قمت عناني الحديد وغـلقــــت     مصاريع دوني تصم المناديـــــا  

 يُقَطِّع قلبي حسرةً أن أرى الوغى     ولا سامعٌ صوتي ولا من يَرَانيا

 وأن أشهدَ الإسلام يدعو مُغَوِّثـــــاً      فلا أُنجدَ الإسلام حينَ دعانيــــا

 وقد كنت ذا مال كثير وإخـــــــوة      وقد تركوني واحدا لا أخى ليـا

 فلله عهـــــد لا أحــــيـــف بعهـده      لإن فرجت لاأزور الحـوانيــــا

ثم أخذ ينادي بأعلى صوته إلى أن يلتفت إلى زوجة القائد سعد ويناشدها أن تطلق سراحه ليشهد المعركة معلناً توبته قائلا هذه الأبيات:

سُلَيْمى دعيني أروِ سيفي من العـدا       فسيفيَ أضحى وَيْحَهُ اليومَ صاديا

دعيني أَجُلْ في ساحةِ الحربِ جَوْلَةً      تُفَرِّجُ من همّي وتشـفي فؤاديـــــا

وللهِ عـهــــدٌ لا أَحــيـــفُ بعـــهـــده      لئن فُرِّجت أَنْ لا أزورَ الحوانيـــا

فسألته امرأة سعد ماذا تريد فقال فكي القيد من رجلي وأعطيني البلقاء فرس سعد فأقاتل فإن رزقني الله الشهادة فهو ما أريد وإن بقيت فلك علي عهد الله وميثاقه أن أرجع حتى تضعي القيد في رجلي، وأخذ يرجوها ويناشدها حتى فكت القيد وأعطته البلقاء فلبس درعه وغطى وجهه بالمغفر ثم قفز كالأسد على ظهر الفرس وألقى بنفسه بين يدي الكفار علق نفسه بالآخرة ولم يفلح أبليس في تثبيطه عن خدمة هذا الدين وحمل على القوم برقابهم بين الصفين برمحه وسلاحه ، وتعجب الناس منه وهم لا يعرفونه ولم يروه بالنهار ومضى أبو محجن يقاتل ويبذل روحه رخيصة في ذات الله عز وجل.

أما سعد بن أبي وقاص فقد كانت به قروح في فخذيه فلم ينزل ساحة القتال لكنه كان يرقب القتال من بعيد فلما رأى أبا محجن عجب من قوة قتاله ، وقال الضرب ضرب أبي محجن والكركر البلقاء وأبو محجن في القيد، والبلقاء في الحبس !! فلما انتهى القتال عاد أبو محجن إلى سجنه ووضع رجله في القيد وأنشد يقول:

    لقد علمتْ ثقيف غير فخـر        بأنّا نحن أكرمـهم سيوفــــــا

    وأكرمهم دروعا سابغـات         وأصبرهم إذا كرهوا الوقوفا

    وليلة فارس لم يشعروا بى        ولم أشعر بمخرجى الزحوقا

     فإن أحبس فذلكمو بلائـى         وإن أترك أذيقهمو الحتوفــــا

فسمعتْ سلمى إنشاده، فعلمتْ برجوعه، وسرّها منه وفاءه.

وعندما نزل سعد ووجد فرسه يعرق قال: ما هذا؟ فذكرت له سلمي قصة أبي محجن فرضي عنه وأطلقه وقال: والله لا جلدتك في الخمر أبدا، فقال أبو محجن: وأنا والله لا شربت الخمر أبدا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى