الأربعاء 24 أبريل 2019 م - 19 شعبان 1440هـ - 09:55 مساءً

جهود الرئيس أردوغان لإسقاط الانقلاب في مصر

السبت 23 مارس 2019 م جهود الرئيس أردوغان لإسقاط الانقلاب في مصر
جريدة العربي الأصيل

يحاول الرئيس أردوغان استثمار الثقل السياسي والاقتصادي لتركيا، في صناعة أوراق للضغط السياسي على صانعي القرار في الغرب، لمحاولة إنهاء الانقلاب العسكري في مصر، عن طريق إبطال التأثير السياسي للسيسي وحلفائه الخليجيين، وإفشال مخططاتهم الرامية لتنفيذ أجندات الغرب وإسرائيل في المنطقة، بالتوازي مع تصاعد الغضب الشعبي ضد سياسات السيسي وحلفائه بما ينذر بربيع عربي ثاني، الأمر الذي يرفع تكلفة استمرار بقائهم في الحكم.

 
حيث يدرك المراقبين السياسيين، أن استمرار أي نظام وظيفي في البلاد العربية والإسلامية، مرهون بمدي نجاحه في تنفيذ الأجندة السياسية المرسومة له، وفي المقابل فإن ارتفاع التكلفة السياسية لبقاء أي نظام وظيفي في الحكم، يجعل من استبداله وتغييره أمر وارد. حيث تمكن السيسي بعد نجاح الانقلاب العسكري عام 2013، من الوصول لقمة الحكم في مصر بدعم من اللوبي اليهودي في أمريكا وضغطهم على مراكز صنع القرار في الكونجرس، بالرغم من رفض أوباما لتولي السيسي للحكم، حيث كان الرئيس الأمريكي أوباما يفضل أن يتولى الحكم شخصية مدنية موالية لأمريكا بدلا من الحكم المباشر للجيش، تجنبا لاتهامه بدعم انقلاب عسكري. وبعد مجيء ترامب زاد الدعم الأمريكي للسيسي وبن سلمان وبن زايد نتيجة لدعمهم لصفقة القرن الهادفة لتصفية القضية الفلسطينية، إلا أن تدخل أردوغان في الوقت المناسب أفشل كثيرا من المؤامرات.

 

فشل حصار قطر

 

بعد وصول ترامب للحكم، بدأ حلف (السيسي-بن زايد-بن سلمان) في حصار قطر طمعا في ثرواتها النفطية ومحاولة لإخضاعها لليمين المتطرف الصاعد للحكم في أمريكا ومنعها من دعم حركة حماس سياسيا، إلا أن امتلاك قطر لأدوات للضغط السياسي قد ساهم في تخفيف حدة الحصار بعد تحييد كثير من القوي الدولية، فضلا عن تفعيل أردوغان اتفاقية الدفاع المشترك مع قطر، والذي كان له أكبر الأثر في إفشال الحصار.

 

تجميد صفقة القرن

 

مع طرح مشروع صفقة القرن إعلاميا الهادف لتصفية القضية الفلسطينية، قام أردوغان بعقد مؤتمر إسلامي لدعم القدس، حضره ملك الأردن والرئيس الفلسطيني بالرغم من الخلاف السياسي مع أردوغان في عدة ملفات، إلا أن المرونة السياسية التي أبداها أردوغان قد نجحت في التوافق على الحد الأدنى اللازم لإفشال ذلك المشروع، كما أن دعم حركة حماس لمظاهرات العودة في قطاع غزة، ساعد في زيادة الزخم الشعبي الرافض لصفقة القرن، لدرجة أن السيسي اضطر لنفي وجود ما يسمي بصفقة القرن، وقام بالتوسط للتهدئة بين حركتي حماس وفتح، أملا في إنهاء مظاهرات العودة.

 

إفشال دعم السيسي لحفتر

 

بدعم سياسي من فرنسا قام السيسي وبن زايد بدعم الجنرال حفتر في شرق ليبيا، أملا في إسقاط حكومة الوفاق في طرابلس، وبالرغم من توسع حفتر في احتلال شرق وجنوب ليبيا، إلا أن دعم تركيا وقطر السياسي لحكومة الوفاق في طرابلس المعترف بها دوليا، قد حجم كل المحاولات لاحتلال الغرب الليبي الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، فضلا عن أن خروج أنبوب غاز السيل الأخضر لإيطاليا، من غرب طرابلس هو ما دفع لتعاون الحكومات الإيطالية المتعاقبة مع حكومة الوفاق لحماية مصالحها، بالإضافة للتنسيق الإيطالي مع طرابلس للحد من الهجرة الغير شرعية، نظرا لقرب غرب ليبيا الجغرافي مع إيطاليا، كما أسفر دعم تركيا وقطر للمفاوضات بين حكومة الوفاق وحفتر، عن موافقة حفتر على إجراء انتخابات بنهاية 2019، في انعكاس كبير لفشل مخطط السيسي وبن زايد هناك.

 

فشل ورقة الغاز واللاجئين

 

بعد وصوله للحكم وبتأييد إسرائيلي، أسرع السيسي بترسيم الحدود البحرية مع قبرص واليونان لمحاولة مد أنبوب يحمل الغاز الإسرائيلي والقبرصي لليونان وأوروبا، لكن تركيا لم تعترف بذلك الترسيم لتجاهله حقوق القبارصة الأتراك، فضلا عن اقتطاعه مساحة كبيرة من مياها الاقتصادية، الأمر الذي دفع أردوغان لتحريك قطع بحرية عسكرية لحماية حقوق تركيا وشمال قبرص، مما دفع إسرائيل لتصدير جزء من الغاز لمصر لتسييله وبيعه، بعد تجميد مشروع تصدير الغاز لأوروبا. كما فشل السيسي في إقناع قادة أوروبا بدوره المحوري في وقف موجات هجرة 5 مليون لاجئ من مصر لأوروبا، بعد أن كشفت تقارير أممية عن وجود 280 ألف لاجئي فقط داخل مصر. 

 

قضية خاشقجي وتوريط ترامب

 

بعد مقتل الصحفي السعودي المعارض جمال خاشقجي في قنصلية بلاده بإسطنبول، نجحت الاستراتيجية الإعلامية التي انتهجها أردوغان، بإظهاره ضعف للمعلومات حول القضية، الأمر الذي دفع الرئيس الأمريكي المتهور والمغرور، للدفاع بقوة عن حليفه بن سلمان، إلا أن التسريبات الصوتية المتلاحقة أظهرت أن التباطؤ في إظهار المعلومات كان مقصودا من أجل توريط ترامب في القضية، في محاولة لكشف حقيقة الدعم الأمريكي لولي العهد المتهور أمام العالم.

 


وفي نفس السياق أظهر وثائقي الجزيرة (أين الجثة؟) مسؤولا سابقا في المخابرات التركية، يتحدث عن احتمالية استمرار عمل كاميرات المراقبة في القنصلية السعودية، برغم تعطيلها قبل عملية القتل، الأمر الذي يتطابق وتصريحات أردوغان، بأن لا يزال لديه أدلة قوية في قضية خاشقجي، مما يضح احتمالا أن تكون لدي المخابرات التركية فيديوهات لعملية القتل.

 

المحقق مولر يلاحق ترامب

 

على الجانب الأخر نجح المحقق الأمريكي مولر في استمالة عدد من معاوني ترامب، الذين شهدوا بالتجاوزات التي حدثت في انتخابات الرئاسة الأمريكية الأخيرة، كما كشفت تسريبات النيويورك تايمز، عن لقاء جمع بين مستشار بن زايد وابن ترامب (أغسطس 2016) لبحث دعم ترامب في الإنتخابات، وهو ما أدي لفتح تحقيق حول احتمالية دفع محمد بن زايد أموالا لحملة ترامب في مخالفة صريحة للقانون، تزامنا مع توقيف إثنين من مستشاري بن زايد في أمريكا وهما جورج نادر وجو زامل.

 

تورط بن زايد في دعم ترامب

 

كما كشفت تسريبات الواشنطن بوست عن لقاء تم قبل تنصيب ترامب رسميا في يناير 2017، والذي جمع محمد بن زايد مع كل من جاري كوشنر صهر ترامب ورئيس صندوق الاستثمار الروسي والمقرب من بوتين (كيريل دميتريف)، بالإضافة لستيف بانون ومايكل فلين (مستشاري ترامب أنذاك)، مما زاد من التساؤلات لدى لجنة مولر حول لعب محمد بن زايد لدور الوسيط بين ترامب وبوتين، كمحاولة لدعم ترامب للوصول للحكم، وهو ما يفسر تحفظ بن زايد عن السفر لأمريكا تجنبا للتوقيف والمساءلة.

 

رد فعل الديموقراطيون

 

بعد توالي الورطات السياسية لترامب، وبالتزامن مع سيطرة الديموقراطيين على مجلس النواب، حمل الكونجرس الأمريكي بن سلمان المسؤولية عن مقتل خاشقجي، كما اتهم الكونجرس ترامب بعدم انتصاره للمبادئ الأمريكية ودفاعه عن القاتل، الأمر الذي زاد من إحكام الخناق السياسي على ترامب، الداعم الأكبر لحلف (السيسي-بن زايد-بن سلمان).
  

هل نجح أردوغان في تحجيم الدور السياسي للسيسي وحلفائه؟

 

بالتزامن مع قرب وصول المحق مولر لنتائج جدية في قضية الانتخابات الأمريكية، واستمرار تضيق الخناق على ترامب في الداخل من قبل الديموقراطيين، يري بعض المراقبون أن التصعيد الإعلامي الذي قام به أردوغان في قضية خاشقجي قد أحرج ترامب، وتضافر مع الجهود الهادفة لإدانته وعزله لاحقا، أو على الاقل تحجيم دعمه لحلف السيسي بن زايد بن سلمان.


ومع إدانه محمد بن سلمان في قتل خاشقجي ووقف الكونجرس الدعم العسكري للتحالف السعودي الإماراتي في اليمن، فضلا عن وضع المفوضية الأوروبية لاسم السعودية على قائمة الدول التي تدعم الإرهاب وغسيل الأموال في فبراير 2019، نستطيع القول إن تحركات أردوغان السياسية قد نجحت لحد كبير في حرق بن سلمان سياسيا.


كما أن تجميد صفقة القرن وفشل حصار قطر، وفشل السيسي في اصطناع دور مهم لخدمة المصالح الغربية بعد تجميد مشروع الغاز الإسرائيل القبرصي لأوروبا، قد خفضت كثيرا من أسهمه لدي صانع القرار الغربي. ومع موجة التظاهرات التي تجتاح الجزائر والسودان، تخشي الدوائر السياسية الغربية من امتداد موجة الاحتجاجات لمصر، في ظل القمع السياسي الداخلي، والمصاحب للفشل الاقتصادي الكبير، مع عدم وجود أي بادرة أمل لإصلاح الوضع الاقتصادي قريبا، مما قد ينذر بحدوث احتجاجات شعبية كبيرة ضد نظام السيسي، في ظل وجود حاضنة شعبية كبيرة رافضة لهذا النظام.

 

من البديل؟

 

مع استمرار الإخفاقات السياسية للسيسي على المستوي الإقليمي، والرفض الشعبي المتزايد له، يحاول صانع القرار في الغرب الحفاظ على مصالحه في مصر، ويخشي من خروج الوضع السياسي عن السيطرة، وربما قد يدفع بأحد الشخصيات المدنية لسدة الحكم مخافة حدوث موجة ثورية ثانية، واحتمالية رجوع التيار الإسلامي للحكم مرة أخري. على الجانب الأخر ربما يري أردوغان وأنصاره من الإسلاميين أن رحيل السيسي قد يمهد الطريق أمام عودة الإسلاميين للحكم مرة أخري ولكن بمنهجية أكثر احترافية في التعامل مع الواقع السياسي.

 

 

          معتز مطر - الجزيرة نت




اضف تعليق






تابعنا على فيس بوك

© جميع الحقوق محفوظة لموقع العربي الاصيل 2015
Powered By