الاثنين 25 مارس 2019 م - 18 رجب 1440هـ - 10:52 مساءً

ماهرشالا علي: العنصرية ما زالت متجذرة في المجتمع الأمريكي

الاثنين 11 مارس 2019 م ماهرشالا علي: العنصرية ما زالت متجذرة في المجتمع الأمريكي
جريدة العربي الأصيل

رغم الفضائح التي أحاطت فيلم «الكتاب الأخضر» منذ انطلاقة في شهر نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، إلا أنه تربع هذا العام على جوائز الأوسكار، حاصدا جائزة أفضل فيلم وأفضل سيناريو مقتبس وأفضل ممثل مساعد لماهرشالا علي. إذاً كيف تمكن من تحقيق ذلك؟
 

تدور أحداث «الكتاب الأخضر» عام 1962، حول حارس ناد ليلي أمريكي – إيطالي، يدعى توني ليب، (فيغو مورتينسين) يستأجره عازف البيانو الأسود الشهير، الدكتور دون شيلي (ماهرشالا علي)، للعمل لديه كسائق وحارس خاص خلال جولة موسيقية له في جنوب الولايات المتحدة، الذي كان يخضع لقوانين الفصل العرقي، المعروفة باسم قوانين «جيم كرو».
 

قوانين «جيم كرو» سُنت أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين لتقر الفصل بين الأعراق في الأماكن والخدمات العامة، وكي تحول دون اندماج السود في المجتمع الأمريكي وتحقيق المساواة مع البيض، بعد تحريرهم من العبودية عام 1863.
 

لهذا كان على ليب اتباع تعليمات ما سُمي «الكتاب الأخضر للسائق الزنجي»، وهو دليل يتضمن القيود المفروضة على السود في الجنوب الأمريكي، وحصرا في الأماكن والخدمات العامة المخصصة لهم، لكي يتجنب أي تحرشات بشيرلي.
المفارقات أن ليب لم يخضع لهذه التعليمات، وكان ينزل في فنادق راقية، بعد أن يترك شيرلي في فنادق رخيصة مخصصة للسود. كما كان على شيرلي أن يلتزم بتلك التعليمات حتى في حفلاته، التي كان نجمها، إذ مُنع من استخدام المراحيض أو تناول الطعام مع جمهوره وعندما يتجاهلها ويذهب الى مكان مخصص للبيض يتعرض للضرب المبرح ويحميه ليب مرات عدة من موت حتمي.
 

رغم قتامة موضوعه، طرح الفيلم كوميديا على يد بيتر فارلي، المعروف باخراج أفلام كوميدية ترفيهية على غرار «هناك شيء ما عن ماري» و»الغبي والأغبى» و»أنا نفسي وآيرين». وفي حديث معه في فندق لندن غربي هوليوود، أكد لي أنه لم يقصد صنع فيلم كوميدي.
 

«عندما كنا نصنع الفيلم، أخبرت الجميع أنني كنت أصنع أول فيلم درامي لي وعندما عرضنا الفيلم للمرة الأولى وشاهدت تفاعل الجمهور معه، أدركت حينها أنه يتضمن الكثير من المشاهد المضحكة. كان أداء فيغو وماهرشالا رائعا إذ أنهما ارتقيا بمستوى النص. يمكنني القول إن السيناريو لم يكن مضحكا بل كان ليجعلك تبتسم فقط. لكنهما نجحا في استخلاص الكثير منه عبر التمثيل الدقيق وردود الفعل البسيطة».
 

مورتينسن، الذي يجلس الى جانب فارلي، يقاطعه الحديث معلقاً: «كان النص مضحكا على الورق إلا أن الفيلم كان أكثر أضحاكاً. التباين الذي يعرضه يجعلك تضحك عندما ترى ذلك أو تسمعه أو عندما تشاهد تعابير وجهينا والتركيبة المتناقضة للعلاقة مضحكة بشكل عفوي».
 

في الحقيقة، لا يمكن تخيّل فارلي كمخرج أفلام درامية، فهو شخصية مرحة جدا ويمزج السخرية في حديثه حتى عندما يناقش مواضيع جدية وقاتمة، ولكن بدون الاستهتار بها. ويعترف أنه لو كان مخرج آخر صنع «الكتاب الأخضر» لكان فيلما دراميا.
 

«كان من السهل أن يكون دراميا»، يقول المخرج «لكننا لم نصطنع الضحكة إذ أتت عفوية وطبيعية، فالنص لم يحتو على النكات. وفي الوقت نفسه، كنت أدرك أن الناس سوف يعتقدون أن الفيلم قاس وسوف يصدمون ويعانون لدى مشاهدته، ولم أكن أرغب في ذلك. أردت أن يشاهد الناس الفيلم، كما هو ويخرجون متفائلين. فالأمر الذي أثار اهتمامي هو حقيقة أن هذين الضدّين: عازف البيانو الأسود الحائز على ثلاث شهادات دكتوراه والحارس الأيطالي الأمريكي العنصري قادران على تكوين صداقة مقرّبة بعد قيادتهما السيارة سويا لمدة شهرين».
 

في بدايته، يطرح الفيلم ليب كعنصري يشمئز من السود. كما يصاب بالصدمة عندما يقابل شيرلي ويرفض الوظيفة «لقد كان يعيش زمانه في الحي، الذي يقيم فيه ولا أعتقد أنه كان مختلفاً عن جاره»، يعلق مورتينسن، الذي دائما يغوص في نفسية شخصياته من أجل تحقيق تقمص تام لها.
 

فرغم تفوق شيرلي على ليب في كل مجالات الحياة، ثقافة، أدبا، فنا، ثراء وأخلاقا، إلا أن ليب ينظر اليه من تصوره المسبق عن السود، ويؤنبه عن عدم تصرفه حسب تلك التصور، وذلك لأن شيرلي لم يأكل الأكل الافريقي مثل الفراخ المقلية، وكان يعزف الموسيقى الكلاسيكية بدلا من الجاز، وكان يتحدث بلغة إنكليزية راقية.
 

«سواء كان لشخص ما مستوى معيناً من النفوذ أو التعليم أو يتحدث بطريقة معينة أو كان بليغا إلى حدّ ما لا يمكنه النأي بنفسه عن السود أو تجاربهم»، يعلق علي. «الأسود هو أكثر من ذلك، فهو لون بشرة وتاريخ والنسب الذي تناقله، فلمجرد توفر بعض العناصر لا يمكن لأحد أن يحل نفسه من هذا الرباط أو أن يخبرك آخر أنك تبدو بطريقة ما لأنك حققت هذا النوع من النجاح ولا تعيش في هذا النوع من الأحياء فأنت لا تعد «أسود»، بل ويقول بأنه «أسود» أكثر منك لأنك تعيش في أحياء كهذه، هذه مسألة إشكالية وتستلزم نقاشا أعمق وهو نقاش خاضته تلك الشخصيات».

 

كسر النمطية عن الرجل الأسود

 

فعلا فبعد أن يشاهد ليب براعة شيرلي الموسيقية ويتعرف على قيمه الراقية، تتحول نظرته السلبية الى تقدير واحترام وتتطور بينهما صداقة حميمة. ومن خلال تلك الصداقة يكسر الفيلم النمطية عن الرجل الأسود من خلال طرحه كمسالم ذي سلوك راق مقارنة بالشخصيات البيضاء، التي تبدو عنيفة أو منافقة أو بذيئة الأخلاق. ومع ذلك يتحاشى شيرلي أبناء جلدته أو عزف الموسيقى لهم كما يفعل للبيض العنصريين. وعندما يواجهه ليب ويتهمه بالنفاق لأنه كان يطرب الأثرياء البيض بموسيقاه، بدلا من أبناء جلدته السود، ينفجر شيرلي بكاء، ويكشف أنه لا يعرف إذا كان أبيض أو أسود، لأنه يشعر أنه مرفوض من كلا الجانبين. «شيرلي أراد أن يعزف نوع موسيقى تحاكي مسيرته»، يوضح علي. «فهي ليست بالضرورة الموسيقى التي يحتضنها المجتمع الأسود أو راديو السود أو الموسيقى التي تجذب جماهير السود، بل عزف موسيقى جذبت جماهير البيض. لقد أراد أن يكون عازف بيانو كلاسيكيا لكنه لم يكن أبيض بما يكفي لذلك فهو ليس أسود بما يكفي أيضا». تصرف شيرلي في الفيلم يستحضر تصرفات السود، الذين تحدث عنهم الزعيم الأسود المسلم، مالكوم إكس، في كتاب سيرته الذاتية. أولئك السود كانوا يتجنبون أبناء جلدتهم ويحتضنون ثقافة وملابس وطعام وتصرفات البيض لأنهم كانوا يخجلون من سوداويتهم، كما وصفهم إكس، ويتملقون للبيض، آملين أن يقبلوهم في مجمعهم. لكن علي ينكر ذلك.
 

«أعتقد أن وجهة نظر شيرلي حول ماهية الحرية تخطت حدود التجربة، التي اعتبرها الناس أنه لا يجوز تجاوزها»، يوضح علي. «بالنسبة له لم تكن الحرية تتعلق في كون الموسيقى الكلاسيكية للبيض، كانت مجرد موسيقى بالنسبة له ولم يكن يرغب في عزف الجاز أو البوب أو البلوز فقط لأنه أسود، إذ لم يكن مقتنعا بذلك. لذلك فان عزفه موسيقى مختلفة عمّا كان مسموحا له بعزفها لا يعني أنه كان يحاول اعتناق ثقافة البيض. ببساطة لقد لفتت اهتمامه بشكل عفوي وطبيعي وأراد إتقانها – الأمر الذي كان ممنوعا عليه».

 

العنصرية ما زالت مترسخة في المجتمع الأمريكي

 

عقب حملات الاحتجاج والعصيان المدني الذي نظمتها حركة الحقوق المدنية في خمسينيات القرن الماضي، وافقت الحكومة الأمريكية، برئاسة ليندن جونسون، عام 1964 على سن قانون الحقوق المدنية، الذي تضمن الغاء قوانين «جيم كرو» العنصرية. وبعد عام توقف نشر الكتاب الأخضر. لكن العنصرية ما زالت مترسخة في المجتمع الأمريكي، حسب علي.
 

«أعتقد أن الوضع مختلف»، يعلق علي «نحن نتحدث عن التعددية هذه الأيام لسبب ما، فالأمر ليس ثابتا. ومهما كانت القضايا وأياً كانت الخلفية أو مشارب الحياة التي جئت منها فنحن لم نبصر النور في عالم عادل ومتساو. ولا يمكننا أن نكتفي بالجلوس والاستمتاع بالفرص المتاحة لنا. علينا الاستمرار في السعي والعمل لايجاد الفرص وتحقيق المساواة بين الجنسين، وهي الأمور، التي نحتاج إليها والتي ستساعد على دفعنا وتطورنا كثقافة».
 

كمسلم، يواجه علي أيضا ظاهرة الإسلاموفوبيا في الولايات المتحدة، التي جسدها مؤخرا أحد كتّاب سيناريو الفيلم نيك فيلولونغا، نجل ليب، عندما كُشف عن تغريدة له أيد فيها إدعاء دونالد ترامب الباطل أن مسلمين رقصوا في مدينة جيرسي بعد ضربات الحادي عشر سبتمبر/أيلول. لاحقا محى فيلولونغا حسابه على توتير واعتذر لعلي. وكذلك اضطر مروتنسين للاعتذار من تفوهه بكلمة «زنجي» في مؤتمر صحافي.
 

«وسم الإسلام والمسلمين بالإرهاب أمر جديد»، يقول علي، الذي أصبح أول مسلم يفوز بجائزة الأوسكار، التي نالها عن دوره في فيلم «مونلايت» عام 2017. «أعتقد أن تجربة السود تعود إلى نشأة هذه البلاد. وأن تكون أسود مسلما فهذا يعني حكما أن تواجه التحديات. لكن ذلك يمنحني القوة أكثر بدلا من أن يسلبني إياها». «الكتاب الأخضر» أثار أعجاب النقاد منذ عرضه الأول في أيلول/ سبتمبر العام الماضي في مهرجان تورنتو السينمائي، حيث فاز بجائزة الجمهور. لكن سرعان ما واجه انتقادات لاذعة من بعض المشاهير السود، على غرار المخرج العريق سبايك لي، الذي استنكر تخليده فكرة حاجة الانسان الأسود لشخص أبيض لحمايته. كما اتهمته عائلة شيرلي بتزييف الحقائق عنه.
 

لكن يبدو أن أهمية موضوع الفيلم وارتباطها بالأحداث المعاصرة في الولايات المتحدة كانت الدافع لتصويت أعضاء أكاديمية علوم وفنون الصور المتحركة لصالحه.
 

«كنت أعرف أن صنع هذا الفيلم سيكون له صدى اليوم»، يضيف فارلي «تمنيت أن نشاهد الفيلم ونتساءل: هل تصدّق أن الأمور كانت على هذه الحال عام 1962؟ لكن الوضع اليوم لا يختلف كثيراً».




اضف تعليق






تابعنا على فيس بوك

© جميع الحقوق محفوظة لموقع العربي الاصيل 2015
Powered By