الاثنين 10 ديسمبر 2018 م - 3 ربيع الثاني 1440هـ - 06:30 مساءً

قراءة في كتاب "سيكولوجية الجماهير" لغوستاف لوبون

الخميس 12 يوليو 2018 م قراءة في كتاب "سيكولوجية الجماهير" لغوستاف لوبون
جريدة العربي الأصيل

صلاح الدين حفافصة

 

بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على خير الأنبياء والمرسلين، أما بعد:

 

فهذه التفاتة سريعة ونظرة لامحة نتجول خلالها ضمن كتاب يهمّ الدارسين في العلوم الاجتماعية وكذا القادة والمسؤولين بشكل عام، فلا يستغني عنه أحد منهم، الكتاب يسمى "سيكولوجية الجماهير" أو " علم نفسية الجماهير" لصاحبه غوستاف لوبون الذي صدر للمرة الأولى عام 1895 م أي قبل حوالي 150 سنة من اليوم.

 

كانت الافكار المعروضة في هذا الكتاب آنذاك ابان حياة غوستاف لوبون غريبة وغير معقولة ولم يتقبلها كثيرون لأنها جائت بطرح جديد لم يعهدوه في ذلك الزمن، ولكن اليوم أضحت هذه الأفكار كلاسيكية ومقبولة وتتسم بالعقلانية والمنطق، وقد ترجم كتاب "سيكولوجية الجماهير" الى كثير جدا من اللغات، وأضحى يتسم بالعالمية، لأن الأفكار والنظريات التي يحويها تناسب كل الشعوب والأعراق والخلفيات الايديولوجية المنتشرة عبر جميع بلدان العالم ولا تختص ببلد معين كالدول الأوربية مثلا.

 

الكتاب يركّز أساسا على الجماهير، أي الشعوب بمعنى آخر، وكيف أنّ هذه الجماهير تتعرض لوابل من الأفكار والمعتقدات الممارسة عليها، والتي تدخل ضمن العقل اللاواعي لتلك الجماهير، مما يجعلها في كثير من الأحيان تقوم بأمور خطيرة أو غير متوقعة ومتقلبة، بسبب ما تستقبله تلقائيا من المحيط حولها، وحاول لوبون دراسة العلاقة بين ما تقوم به الجماهير وبين ما تتلقاه من محرّضات، مع ابراز الخصائص المشتركة بين أفراد الشعب والوسط المحيط به التي تشكل روح هذا الشعب.

 

لقد لعبت الجماهيردورا مهما في تغيير عجلة التاريخ، وهي اليوم تلعب دورا أكثر أهمية، بسبب تعدد وتعقد المحرّضات الممارسة عليها، فالعمل اللاواعي للجماهير اليوم بحاجة للدراسة أكثر من ذي قبل فهو أحد مفاتيح معرفة طرق السيطرة على الجماهير وفق استراتيجيات مضبوطة تراعي الحالة المتطورة الآنية وتغيّر الزمان وعقليات الناس.

 

الجماهير لها عواطف وأخلاقيات منها سرعة الانفعال، فهي من الخصائص الأساسية للجمهور، فهو مقوّد كليا تقريبا من قبل اللاوعي، فالفرد المعزول يمكن أن يقف وجه المحرّضات ويعرضها على عقله، فيميز الحق من الباطل والصحيح من الخطأ، أما الجمهور فيخضع لها ولا يعرضها على ميزان العقل، لأنه بالأساس يفكر بالعقل اللاواعي ضمن الجماعة، فالجماهير يمكن أن تموت لأجل الانتصار لعقيدة أو عندما تؤمن بقضية ما وان كانت على باطل.

 

الأمر الآخر الذي تتميز به الجماهير سرعة تأثرها وسذاجتها وتصديقها لأي شيء، وللتوضيح فما نعني به من كلمة سذاجة، ليس تلك التي يقصدها ابن خلدون في مقدمته، والتي هي الفطرة والسليقة في الانسان، ولكن السذاجة هنا هي بمعنى الطيش وخفّة العقل، فالجماهير يستوي فيها الجاهل والعالم، لأنهما يصبحان عاجزان عن الملاحظة والنظر، فبمجرّد أن ينخرط الفرد في الدمهور، فانّ مستواه الفكري ينخفض الى حدّ بعيد مهما درجته العلمية والفكرية، فيكفي اطلاق اقتراح ما في تجمع بشري معيّن الا وسيحظى بانتشار واسع، بغض النظر عن مصداقيته أو صحّته.

 

والملاحظات الجماعية دائما هي الأكثر بعدا عن الصواب، وهي تمثّل في الأغلب الأعم مجرد وهم تشكل لدى فرد واحد ثم انتقل عن طريق العدوى الى الآخرين.

 

تتسم الجماهير بتضخيم العواطف وتبسيطها، فهي تمارس الأمرين حسب الحالة المنوطة بها، فهي تضخّم وتبسّط العواطف حسب الحاجة، فالجماهير تحمي نفسها بتضخيم العواطف، وغالبا تكون نظرة الجماهير للأمور على أنها كتلة واحدة ولا تعرف في ذلك التدرجات الانتقالية، بل تكون كلا واحدا لا يتعدد.

 

يتبع ..

 

صلاح الدين حفافصة: مهتم بالعلوم الشرعية والاجتماعية والتاريخ والفلسفة.




اضف تعليق






تابعنا على فيس بوك

© جميع الحقوق محفوظة لموقع العربي الاصيل 2015
Powered By