الخميس 23 نوفمبر 2017 م - 5 ربيع الأول 1439هـ - 01:08 مساءً

المهدي المنتظر البرتغالي

الأحد 30 أبريل 2017 م المهدي المنتظر البرتغالي
جريدة العربي الأصيل

عقيدة القائد الغائب أو الإمام الغائب هي ليست عقيدة مرتبطة بدين معين أو ثقافة معينة أو شعب خاص، إذ هي ظاهرة أممية تمتد من امة إلى أخرى، وبنظريات مختلفة تختلف في التفاصيل لكن تبشر بقدوم المنقذ الغائب والموعود، فاليهود لحد الآن ينتظرون قدوم المسيح المنتظر الذي سيحقق الرفاهية والإستقرار للمجتمع اليهودي، ويخضع لهم العالم بفضله، بينما ينتظر المسيحيون عودة المسيح عيسى أو يسوع مرة أخرى إلى الأرض، وكذلك ينتظر المسلمون عودة المسيح وقبله ولادة الإمام المهدي المنتظر من سلالة الرسول العربي محمد بن عبد الله، بينما يؤمن الشيعة أن المهدي المنتظر هو ابن إمامهم الحادي عشر الإمام الحسن العسكري والذي يعيش متخفيا عن الأنظار منذ حوالي 13 قرن مضت، وينتظر الإذن والفرصة المواتية ليظهر و يعيد الإسلام كما كان، وينقذ شيعة أهل بيت النبي، ويخضع لهم العالم أيضا، وقد تتشابه الروايات وتختلف الشخصيات ولكن تبقى نفس المواصفات، فنلاحظ درجة التشابه بين المعتقدات الشيعية حول الإمام الغائب والمعتقدات السيباستيانية. السيباستيانيزم هي عقيدة فكرية ثقافية وإيديولوجية سادت خلال القرن السادس عشر، ولازالت ممتدة إلى زماننا الحالي في البرتغال والبرازيل والمناطق الناطقة باللغة البرتغالية، مفادها أن الملك سيباستيان إمبراطور البرتغال لم يمت، وأنه لازال على قيد الحياة وينتظر فقط اللحظة المناسبة للعودة إلى العرش، وصد الهيمنة الأجنبية ومعه ستعود أمجاد البرتغال وسيعلو شأنها ما بين الأمم. ولد سيباستيان الأول في 20 يناير 1554، والده هو الملك جون مانويل، وقد نصب سيباستيان ملكا بالوصاية على الإمبراطورية البرتغالية التي كانت تمتد على سواحل أفريقيا واسيا والأمريكيتين، وهو ابن ثلاث سنوات.

 

لقد اشتهر حكم عائلته بالضعف لهذا أراد الملك الشاب تغيير النظرة العامة التي أخذها الناس على أجداده، وأن يكون اسمه بارزا بين أسماء ملوك أوروبا. ولتحقيق المجد أعلن الملك سيباستيان حملة صليبية جديدة من أجل السيطرة على المغرب وإبعاد خطر المسلمين عن سواحل البرتغال، ومخاوف المسيحيين في الأندلس القديمة من عودة المسلمين بمساعدة العثمانيين مرة أخرى، فاتصل بخاله الملك فيليب ملك اسبانيا الذي حذره من التوغل في المغرب، لكن طموح سيباستيان وإقدامه جعلاه لا يستمع إلى نصيحة خاله. والمغرب آنذاك كان يقبع وحيدا في أقصى الغرب الأفريقي ممتنعا عن الدخول في طاعة العثمانيين الذين وصلوا إلى الجزائر وخاض ضدهم حروبا كثيرة واتفق آنذاك خلع السلطان محمد المتوكل على الله واستيلاء عمه على الحكم لأنه رأى نفسه أولى بالحكم من ابن أخيه الدكتاتور، فلجأ المتوكل للبرتغاليين طالبا منهم حمايته و الدخول للمغرب لمساعدته على إرجاع حكمه مقابل التنازل لهم عن الشواطئ المغربية. قبل الملك سيباستيان هذا العرض ووجده فرصة لشن حرب خاطفة على هذا البلد المعزول المنهك القوى بمشاكله الداخلية والخارجية فجهز جيشا كبيرا من البرتغاليين وأضاف إليهم حوالي 20 ألف من المرتزقة الأسبان والايطاليين ومن فرنسا وألمانيا وأبحرت السفن الصليبية نحو طنجة والتي التقى فيها سيباستيان حليفه المتوكل ومنها انطلقا إلى وادي المخازن قرب مدينة القصر الكبير شمال المغرب، حيث حدثت الموقعة الشهيرة، وهناك انتهت آمال البرتغاليين قبل حتى أن تبدأ إذ انتصر المغاربة انتصارا ساحقا على الغزاة ففقدت البرتغال إمبراطورها وعاهلها وكامل الأسرة الحاكمة، ماعدا فردا واحدا، وكذلك فقدت جيشها وسيادتها إذ سرعان ما انقضت عليها اسبانيا وأخضعتها لحكمها، كانت كارثة بكل المقاييس، ورغم محاولات إخفاء خبر مقتل الملك البرتغالي، إلا أن الخبر تفشى كالنار في كومة قش بين مصدق ومشكك إلى أن تم إعلان الخبر رسميا، ودقت أجراس الكنائس في جميع أنحاء المملكة معلنة في حزن عميق نهاية سيباستيان الأليمة. ورغم صحة الواقعة إلا أن البرتغاليين رفضوا تصديق أن ملكهم قتل في المعركة فبدؤوا يقولون أن سيباستيان لم يمت وسيعود للحكم و ستستقل البرتغال وتحول أمل عودته إلى ظاهرة مرضية ثم معتقد ديني ثقافي راسخ امتد عبر مئات السنين، واستمدت العقيدة السيباستيانية قوتها من الغموض الذي أحاط بموت العاهل البرتغالي، إذ وعلى الرغم من إرسال جثته من المغرب إلى الملك فيليب الثاني، وإقامة اسبانيا له جنازة ضخمة، إلا أن البرتغاليين رفضوا التصديق، ونشأت أسطورة عودة سيباستيان، وبحسب الأسطورة فان الملك سيباستيان سيعود في يوم ضبابي فوق حصان أبيض، ووصل اعتقاد البعض إلى حد الإيمان أن سيباستيان قطع البحر وأنه ينتظر على متن سفينة ترسو على نهر تاجه، وهو فقط ينتظر الفرصة المناسبة لاسترداد عرشه.

 

لقد انتشر هذا الفكر بشكل رهيب في البرتغال و البرازيل و انغولا وباقي المستعمرات الناطقة باللغة البرتغالية، و قد حصد هذا الفكر المستوحى من أسطورة سيباستيان الملك العائد ألاف الأرواح، فسنة 1889 تم إعلان علمانية البرازيل فقاد السيباستينيون وعلى رأسهم انطونيو كونسيليرو حركة مناوئة لعلمانية الدولة وللدفاع عن الحق الإلهي الملكي المتمثل في حكم الملك سيباستيان والمذهب الكاثوليكي الذي أزيل من الدولة على يد الجمهوريين، فشهدت معارك وحركات تمرد واسعة في البرازيل، وبنفس الأيديولوجية السيباستيانية وقعت حربي كوندو وكونتيستادو، وقد كان الثوار عند حدوث أزمة تموين المدن سنة 1930 في البرازيل ينادون: لا انتخابات سيعود الدون سيباستيان، وكحال كل المخلصين الغائبين في مختلف الأديان والثقافات، فقد ظهر أنبياء يبشرون بقرب عودة الملك سيباستيان وشعراء يتغنون بالملك المخلص، وكذلك ظهر عدة أشخاص ادعوا أنهم الملك سيباستيان.

 

والجدير بالذكر أن ظاهرة السيباستانيزم لازالت سائدة إلى حد الآن، كإرث ثقافي ولغوي عند الشعوب الناطقة بالبرتغالية، الملاحظ بدون أي شك يرى مدى التشابه بين قصة الملك سيباستيان، والذي رفض البرتغاليون تصديق وفاته وأعلنوا انه يعيش إلى الآن وينتظر فرصة مناسبة للعودة بقصة الإمام الثاني عشر عند الشيعة أو ما يسمى بالمهدي المنتظر.

 

والذي تجمع كل الروايات التاريخية والدينية انه غير موجود كون الإمام الحادي عشر الأمام حسن العسكري لم يخلف ابن طيلة حياته . وتقول الأسطورة أن الإمام حسن العسكري أنجب ابنا و أعلنه للمقربين منه انه المهدي المنتظر واختفى الابن خوفا من العساكر في سامراء و كلف أربعة نواب ينوبون عنه عند شيعته في ما سمي بالغيبة الصغرى ثم انتهت نيابتهم ببداية الغيبة الكبرى والتي مازالت سارية لحد الآن، أي منذ 13 قرن، وهو ينتظر الفرصة المناسبة لإظهار نفسه وإعلان انه المهدي المنتظر والإمام الحجة الموعود، فعدم إنجاب الإمام الحسن العسكري ابنا سبب صدمة لدى غلاة الشيعة، والذي تقوم عقيدتهم على أن الإمام الحادي عشر سينجب الإمام رقم 12، وهو المهدي المنتظر، فرفضوا التصديق، وأعلنوا أن الإمام المهدي المنتظر موجود، وينتظر الفرصة المناسبة للإعلان عن نفسه، وهو ما أكده الكاتب الشيعي أحمد الكاتب في كتابه "تطور الفكر السياسي الشيعي من الشورى إلى ولاية الفقيه" والذي أكد بكل الأدلة عدم وجود ابن للإمام حسن العسكري وبسبب نظرية الإمام الغائب، شهدت ولازالت تشهد المنطقة العربية حروبا ومعارك ونزاعات منذ قرون عديدة راح ضحيتها عشرات الالاف . في كل الديانات والثقافات، توجد شخصية الغائب المخلص التي ينتظرها جميع المؤمنين ولكن دوما يستغل الدجالون هذه القصص ليزعموا بأنهم هم المنقذ الغائب أو نوابه، فقد ظهر في إيران بعد قيام ثورة شعبية ضد نظام الشاه الإمام الخميني معلنا نفسه نائبا للمهدي المنتظر الغائب، وفق نظرية ولاية الفقيه في استمرار لأسطورة وجود الإمام المهدي المنتظر منذ قرون، فيا ترى أيهما سيظهر أولا الدون سيباستيان أو ابن الإمام الحسن العسكري؟

 

 

              أنور بن الطيب




اضف تعليق






تابعنا على فيس بوك

© جميع الحقوق محفوظة لموقع العربي الاصيل 2015
Powered By